‏إظهار الرسائل ذات التسميات إضاءات نقدية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات إضاءات نقدية. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 6 يوليو 2011

لغة الأشياء / ... ويظل الجميع تحت سيطرة الشمس!

باسمة العنزي

«الآن...
جميع الأشياء تحت سيطرة الشمس
هناك سيارات تلتهم الشارع بقسوة... ورجل أعرج متردد
هناك شارع عريض أسود... ورصيف حارق حزين
ويظل الجميع تحت سيطرة الشمس».
ما أن انهيت قراءة قصة «حبات البرتقال المنتقاة بدقة» للقاص العماني يحيى المنذري، حتى تأكدت أن لبعض النصوص وقعا خاصا على المتلقي قد لا يتوقعه الكاتب، هذه القصة الكونية المكتوبة بحرفنة عام 1992 والمنشورة ضمن مجموعته الأولى «نافذتان لذلك البحر» لقيت من الانتشار والصدى ما جعلها من أجمل القصص التى كتبت في تاريخ القصة العمانية.
كتبها القاص بعد رؤيته لرجل أعرج يعبر الشارع،المشهد كان له تأثيره الى درجة أنه حوله الى قصة قصيرة بتقنية الرصد السينمائي.القصة/ المشهد لا يتعدى الخمس دقائق، ما أعطى تكثيفا متمكنا وانسيابية زمنية ماهرة بين الماضي والحاضر والمستقبل.
النص تناول مأزق الرجل الأعرج الذي يحاول عبور الشارع نحو منزله في يوم حار برفقة حبات البرتقال، التي اشتراها للتو وانتقاها بعناية لابنائه، لكن حركة السيارات لا تهدأ ولا أحد مستعد للوقوف من أجل رجل متعب من حرارة الشمس، وراغب في الوصول الى منزله بسلام. انتظاره القسري يحيلة لذكريات بعيدة واصابة قديمة في حادث تحول الى عرج.
«الشمس تغرز أشعتها في رأسه ورقبته، عرقه يسيل، عيناه تحرقانه، يداري لهيب الشمس بوضع كف يده على جبينه، وصارت يده مظلة عاجزة بينما الرصيف حارق حزين».
كمتلقية لهذا النص الذي ابهرني منذ القراءة الأولى- وجدت حضورا لقسوة حضارة الاسمنت وعزلة الفرد في عالم مادي، وطرح اشكالية الانسان البسيط الذي يحاول باجتهاده الوصول لهدفه أو حلمه- خصوصا أن البرتقال عند بعض الحضارات رمز للسعادة- ورغم ما في الطريق من معوقات وقسوة ينتظر وعينه على المستقبل حيث الرصيف الآخر والخطوة التالية.
الانتظار هنا حالة استنزاف متواصلة وما أن تحين اللحظة المنتظرة ويندفع البطل لعبوره المرتقب للخروج من عنق زجاجة الحيرة، حتى يكتشف نسيانه لكيس البرتقال أو سعادته على الرصيف الحارق. السعادة التي أمضى وقتا في انتقاء تفاصيلها كي يقدمها لنفسه ولامتداده من الابناء دفعها ثمنا للوصول، الرحلة القاسية كانت جزءا من الصورة الكبيرة لحيواتنا، وما الرصيف والشمس والأطفال و السيارات المسرعة وحبات البرتقال الشهية سوى تفاصيل أيامنا بشكل أو بآخر.
العنوان جذاب و يحث الخطى للوصول لما وراءه، شخصية البطل مكافحة وبسيطة، نجح الكاتب في استثارة تعاطف المتلقي دون أن يكون للبطل كاريزما خاصة. واللغة تخلصت من الفائض ولم تعمد للشعرية المفرطة، استخدمها القاص بذكاء فعبرت عن الجو النفسي للبطل وما يحيط به في زمن مختزل.
للقاص ثلاث مجموعات قصصية لكن ظلت هذه القصة هي الأشهر والأكثر تداولا رغم أنها من بداياته ولا أعرف ان كان ذلك من حسن حظ الكاتب أم العكس؟!




ملاحظة: نشرت القراءة في جريدة الراي الكويتية ، يوم الأربعاء، بتاريخ 07يوليو2011،العدد11692

الثلاثاء، 5 يوليو 2011

عبور الجدران ..قراءة انطباعية في "طيور" يحيى المنذري "الزجاجية"





سليمان المعمري


ليس الجدار هو الثيمة أو الكلمة الوحيدة التي لها حضور طاغ في معظم تجربة يحيى سلام المنذري ، فثمة أيضا الطيور والأطفال والسرير ، والشارع ، والباب واللوحة ، بالإضافة طبعا إلى ذلك الإنسان البسيط المهمش الباحث عن كوة نور في نفق الحياة المظلم .. غير أنه يمكن الاستناد عليه – أي على الجدار - بامتياز في مقاربة تجربة المنذري القصصية، ما دامت الجدران هي أول أشكال تنظيم الإنسان لحياته بعيدا عن قوانين الطبيعة ، حسب الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون ، وما دامت الحياة كلها هي المسافة التي يقطعها المرء بين جدارين أحدهما أبيض والآخر أسود كما يخبرنا يحيى ضمنياً من خلال عنوان إحدى قصص مجموعته الأخيرة .. ولذا فان هذه الورقة ستحاول جاهدة ما استطاعت تأمل جدران كتابة يحيى الشكلية والمضمونية من خلال تركيزها على "الطيور الزجاجية" وتعريجها الخجول على مجموعات يحيى الأخرى ، طارحة عددا من الأسئلة من قبيل : ما هي العوالم التي تلح على كتابة المنذري ؟ وما هي المضامين التي تتكرر لديه من مجموعة لأخرى ؟ والى أي مدى أثر عشقه للفن التشكيلي في كتابته القصصية ؟ وأسئلة أخرى يولدها التوغل في ثيمة الجدار ..

بدأ يحيى المنذري كتابة القصة منذ أكثر من عشرين عاما .. وإذا ما تخيلنا اليوم أن ثمة جداراً تعلق عليه صور الأسماء البارزة في المشهد القصصي العماني فإنها ليست مجازفة القول انه يصعب تخيّل هذا الجدار بلا صورة ليحيى ، بشاربه الخفيف الأليف ونظارته ذات العينين البيضاوين ، بطيوره الزجاجية المتراقصة حول رؤوس أبطاله ، ونافذتيه المطلتين على ذلك البحر البعيد ، بحبات برتقاله المنتقاة بدقة وزارعي غابته الأسمنتية الذين يطفئون حنينهم بالصور ، بـ"ضجيج بيته الكبير" الذي كاد أن يرمي به وحيدا بين أربعة جدران ضيقة لها حراسٌ يقدمون العدس.. ومنذ مجموعته الأولى "نافذتان لذلك البحر " ( مسقط ، 1993 ) ومرورا بـ"رماد اللوحة" ( دمشق .. 1999 ) و"بيت وحيد في الصحراء" (مسقط 2003 ) وليس انتهاء بـ"الطيور الزجاجية" ( دمشق 2011 ) والمنذري يسير بخطى بطيئة بعض الشيء ولكن واثقة في طريق القصة الشائك والطويل.

دعونا إذن نلج إلى بيت يحيى القصصي ، نتأمل جدرانه ، ونحصي غرفه ، ونتلصص على ساكنيه ، مرددين مع أنطوان سانت أكزوبيري : "إن أعجب ما في منزل ليس في أنه يؤويك أو يدفئك، أو في أنك تملك منه الجدران، ولكن في هذا الذي يضعه فينا من مؤن العذوبة"





تجليات الجدار :

أول سطر في "الطيور الزجاجية" يتحدث عن "جدران خشبية هادئة لأن الطقس لا يعكر صفوها بالرياح" ، وفتى "يحلم بركوب أرجوحة في حديقة خضراء طقسها بارد ومليء بالرذاذ" لكننا سرعان ما سنكتشف أنه ليس سوى الهدوء الذي يسبق العاصفة ، فهذا الفتى في قصة "طائرة تبدد لون السماء" سيخرج بعد قليل مع أمه ليس لركوب أرجوحة ولا للتمرغ في خضرة حديقة بل لانتظار موكب لن يأتي ، تماما كانتظار الأب الذي غاب منذ سنوات ، لا بأس إذن من أن يخفف هذا المنتظِر من عطش المنتظرين الآخرين مقابل حفنة من المال يساعد بها أمه ، هؤلاء الذين شكلوا جداراً يمنعه من الرؤية " أخذ يبحث عن منفذ لرؤية الموكب ، كان الناس مثل أحجار رصت على الشارع" (ص10) .. هذه الثلاثية ( الفتى والأم والجدار الخشبي) ستتكرر بعد قليل في قصة أخرى هي "إنقاذ" ، ولعلها ليست مصادفة أيضا حضور الجدران الخشبية منذ السطر الأول في القصة .. ثمة امرأة تتعرض للأذى من زوجها السكير .. امرأة حبيسة الجدران التي يغلقها عليها هذا الزوج المتوحش بقفل أسود كبير .. غير أن الفتى، وبتحريض من أمه المتعاطفة مع هذه المرأة، سيوسع الجدار الخشبي ركلا ويحدث به تصدعاً وصولا إلى صنع فتحة كافية لمرور المرأة التي "كانت مثل حمامة جريحة وضعيفة ووحيدة تنتظر فتح باب القفص، حمامة لها ريش ملون ، لها عينان دامعتان " .. يحق لها الآن وقد تنسمت أنفاس الحرية أن تكفكف دموعها وتردد مع كافافي : " وما دامت لدي أشياء كثيرة أقوم بها في الخارج / فلِمَ لم أحاذر حين أخذوا يبنون حولي الجدران ؟! ".. ويحق لنا أن نعود إلى الوراء قليلا ونتذكر قصة "المروحة البشرية" ضمن مجموعة "زارعي غابة الاسمنت" التي شاء المنذري أن يضمنها داخل كتاب واحد مع مجموعة "بيت وحيد في الصحراء" حيث "يتدفق الضوء من ثقب صغير في الجدار الخشبي" ويتأمل الهندي ذرات الغبار المصطفة في بطن الضوء مكونة عصا ذهبية .

بيد أن الجدران ليست خشبية وحسب ، لذا فان الثلاثية سالفة الذكر ستتحول إلى ( الفتى والأم والجدار الأسمنتي ) في قصة ثالثة من "الطيور الزجاجية" هي "ليلة الخنجر".. تحمل الأم ولدها الصغير ناصر إلى عرس ما في بيت إسمنتي كبير أصفرِ اللون ، وما إن تشد الأم ابنها إلى داخل البيت حتى يشاهد على الجدار لوحة بها خنجر وأخرى بداخلها سيف فضي فيشعر بالخوف .. أهو خوف من الخنجر والسيف أم من الجدار ؟! .. شخصيا سأرجح الثانية ، وسأعضد هذا الرأي بالتقاء ناصر هناك ببعض أقاربه الذين كانوا من عمره ، وتذكُّره بأن حاجزاً / جداراً كبيرا زُرِع بينهم رغم مشاركته لهم اللعب والضحك والجري . ثم انه يتعمد الهروب من هذا الواقع الذي يخيفه فيغمض عينيه ويتخيل خناجر تتطاير وتنغرز في الجدران .. تسكره نشوة الانتصار على هذه الجدران في الخيال فيقرر تنفيذها في الواقع .. يسحب خنجر العريس الذي يبدي مقاومة شديدة ويمسك بيدي ناصر ويعصرهما بقوة صارخاً في وجهه أن تأدبْ ، وإذا ما أضفنا أنه تلقى تأنيبا وصراخا من المرأتين اللتين كانتا في غرفة العريس ، وذهولا واستغرابا من بقية الأولاد نخلص إلى أن مزيدا من الجدران ارتفعت في وجهه وانتصرت عليه ، مثلما ترتفع في وجوهنا نحن قراءَ "الطيور الزجاجية" ، فإضافةً إلى الجدران الخشبية والإسمنتية تشمخ كذلك جدران زجاجية تقف – رغم هشاشة الزجاج - بيننا وبين سعادتنا .. ففي قصة "سر الورقة" يفرح البطل الفقير الأمي بالشيك الذي قدمه له أحد الأثرياء ، ما يعني أن حياة البطل ستتغير بلا شك إلى الأفضل، ولكن موظف البنك القابع خلف جدار زجاجي يصدمه في البداية أن "هذا الشيك لازم يصرف من بنك آخر ، تجده في الخوير" ، ثم ستصدمه موظفة أخرى في بنك آخر ومن خلف نفس الجدار الزجاجي بأن قيمة الشيك لا تتعدى العشرة ريالات ! .. ثمة جدار يقف عقبة في طريق الحلم هنا ، ولكن المفارقة أن الجدار هو أيضا الحلم .. فهذا الرجل البسيط يضع ضمن مخططاته بعد أن يستلم المبلغ الذي ظنه كبيرا أن يصلح سور بيته ، أن يقيم جداراً يستره ويحميه وأهله من اللصوص والمتطفلين .. بيد أن هذا الجدار الأسمنتي لن يقوم الآن بسبب الجدار الزجاجي ! .

وإذا كان الجدار حلماً في "سر الورقة" فانه سيتحول بقدرة كاتب إلى سد في وجه الحلم في قصة "الباب الزجاجي" ، ففي أثناء انتظار البطل الفقير المعدم الباحث عن عمل لسقوط جدار الانشغال الذي يفصله عن مقابلة المدير العام ليفاتحه بطلب وظيفة ، جلس على المقعد الجلدي أمام السكرتيرة ، "وانشغل في التحديق في المكان ، ثم أخذ يسترق النظرات ناحية وجه المرأة الذي اعتبره عذبا ، والقطة الغريبة التي تلعق عنقها ، كاد يجرؤ على الحلم بالنوم معها ، لكنه تردد ، فقد تذكر مشاكله التي تسد مداخل أحلامه بجدران قوية " .. الجدران تمنع الإنسان من مجرد الحلم هنا .. ولن تكتفي بهذا بل ستمنعه في قصة أخرى من مجرد الكلام ، "فهو يعرف أن الأصوات تتسرب من خلال الجدران بسهولة ، تنتشر مع الهواء وتغوص في الآذان كأسهم مليئة بالأخبار ، لذلك فالمدينة تكاد تخلو من الأسرار ، إلا تلك الأسرار التي تقال بالإشارات " ، ولكن حتى هذه يمكن التلصص عليها بطريقة بطل جحيم هنري باربوس : النظر من خلال ثقب جدار ، هكذا يفكر بطل قصة "الساق" الذي تمردت عليه ساقه ، وهكذا تفعل زوجة السكير البائسة في قصة "إنقاذ" ، فالجدار يغدو هنا معادلاً للحرية والانعتاق ، من خلال تلك الفتحة السرية التي كانت نافذة المرأة إلى العالم الخارجي تبث منها شكواها وحزنها لأم الفتى ، ولولا ذلك الثقب في الجدار ما علم أحد شيئا عن معاناة تلك المرأة ، وما تم إنقاذها .. فما أجمل الجدران التي تساعدنا على رؤية الآخر والتفاعل معه !.. لا أجمل ولا أنبل منها إلا تلك التي ترينا أنفسنا ، تلك التي تقوم مقام المرايا في تقديمنا كما نحن بلا أية رتوش أو محاولات تجميل .. ألهذا إذن يضع الحلاقون مرايا زجاجية على الجدران أمام زبائنهم ؟!.. لم تقل قصة "جدران ومرايا" هذا مباشرة ، ولكن كان لافتا حديث بطلها أثناء اعتلائه الكرسي لأداء دوره في الحلاقة بعد انتظارٍ قضاه في قراءة كتاب ، كان لافتا حديثه عن زميله الذي لم يطلب الكتاب ليقضي به ما تبقى له من وقت الانتظار " تركتُه مع المنتظرين يحدقون في الحيطان" .. الحيطان هنا أهم ، فنحن لسنا بحاجة لكتاب لننظر إلى أنفسنا بعمق .. وعندما نتأمل ذواتنا فان أسئلة كثيرة تنطرح في داخلنا دون أن تنتظر الإجابة .. تماما كما تفعل الكتابة الإبداعية بشكل عام .. وكتابة المنذري بوجه خاص ..

كتابة الأسئلة :
لا أبالغ إن قلتُ إن كتابة يحيى هي كتابة الأسئلة بامتياز.. لقد دأب على طرح الأسئلة التي تبدو في ظاهرها بريئة ، ولكنها ليست كذلك في العمق .. إنها أسئلة تحرض على التأمل والتفكر وإعادة النظر في حياتنا برمتها ، أسئلة تعبرنا مخترقة جُدُرَنا الصلدة مثلما فعل بطل قصة "عابر الجدران" لمارسيل ايميه بفعل حبة سحرية عجيبة تتيح له أن يمر من أي جدار بسهولة تنْقُلُه من مكان لآخر.. أسئلة تتطاير – حسب أحد أبطال المنذري – "مثل ريش نُتِفَ من حمامة ضُرِبتْ على رأسها" : ما الموكب ؟! .. لماذا كراسي المستشفى صنعت من الاسمنت ؟ ، هل يعلم الجدي الصغير أن روحه سوف تفارقه بعد لحظات ؟ .. هل مازلت تتمنى امتلاك طاقية الإخفاء ؟ ، هل فعلا أصبحتُ لا شيء ؟ ، هل نجح الطائر الأسطوري في تفتيت عقلي ؟ لماذا ينتابني الآن شعور بالخواء ؟ .. لماذا أنا غريب وسط أقربائي ؟ .. هل سأكبر وسينبت لي مثل هذا الشعر ؟ .. لماذا هو بالذات سقط الطائران على رأسه ؟ .. لماذا كل هذا الألم الآن ؟ .. وغيرها الكثير الكثير من الأسئلة التي تتناثر في ثنايا نصوص "الطيور الزجاجية" الخمسة عشر .. ومن قرأ يحيى المنذري جيدا يدرك أن السؤال مكوِّنٌ رئيس من مكونات كتابته القصصية ، منذ "نافذتان لذلك البحر" التي يسأل فيها : "من أين يبدأ السؤال .. من الولادة أم من آخر رمق يبقى ؟" ومرورا بـ"رماد اللوحة" التي يتساءل فيها : "هل يا ترى حين يجلس الصياد إلى البحر محدقا إلى الغيوم يفكر بمطر من الأسماك ؟" ، وليس انتهاء بـ"بيت وحيد في الصحراء" التي يتعجب في إحدى قصصها : "لماذا لا تهرب الأرانب والطيور مادامت الأقفاص مفتوحة" ؟! .. إن الأسئلة هنا ما هي إلا محاولات لاختراق جدران الظلام الذي يحيط بالكائن ، إشعال فتيل ضوء في متاهة بورخيسية معتمة كلما ظننتَ أنها أفضت بك إلى مكان اكتشفتَ أنها زادتك عزلة عن نفسك وعن العالم .. ومع ذلك فلا مفر لك إلا أن تسأل وتسأل موقناً أن توقفك عن السؤال يعني نهايتك المغلقة مرسومة على جدار اليأس ..


الطبيعة والكلمة :


وما دمنا نتحدث عن الرسم على الجدار فان هذا يحيلنا إلى ثيمة لطالما برزت بوضوح في تجربة يحيى المنذري ألا وهي توظيف التشكيل واللوحة في الكتابة القصصية ، ولعل يحيى الذي صرح ذات يوم بأنه حاول أن يكون فنانا تشكيليا ففشل سيضجر من فرط ما تم التحدث عن هذه الثيمة في كتابته .. وشخصيا ما كنتُ سأتناولها هنا لولا ارتباطها بثيمة هذه الورقة وهي الجدران .. وعلى أية حال سواء نجح المنذري أم فشل في أن يصبح فنانا تشكيليا فان المؤكد أن العديد من نصوصه القصصية ما هي إلا تجسيد لعبارة ميشيل فوكو في "الكلمات والأشياء" من أن الطبيعة والكلمة يستطيعان أن يتقاطعا إلى ما لا نهاية مشكِّلَيْن لمن يعرف القراءة نصّا واحداً .. حرّكت اللوحة التشكيلية الأحداث في "ليلة الخنجر" كما رأينا قبل قليل .. وكان لها دور كذلك في قصة "من جدار أبيض إلى جدار أسود" التي يستحضر فيها المنذري الرسام العالمي سلفادور دالي إلى صالة الانتظار بالمستشفى ، فيرسم هذا الأخير بقطعة فحم في وجوه الجالسين وفي الجدران ، ولعلها نفس قطعة الفحم التي استخدمها سلمان في "رماد اللوحة" عندما كان طفلاً "يرسم على جدران البيوت أشكالاً غريبة جدا ليس لها وجود، أشكالاً يبتكرها وكأنها سوف تتحقق في سنوات قادمة" ، غير أن الملاحظة الجوهرية هنا أنه كلما تقدمت تجربة يحيى المنذري القصصية للأمام كلما تراجع الحضور التشكيلي للخلف ، أو لنقل خفت وبات في خلفية المشهد .. مجموعتاه الأوليان كان يصدّرهما بقصة لا تتعالق مع الفن التشكيلي فحسب ، بل ويدخل في نسيج أحداثها بحيث لا تغدو القصةُ قصةً إن حذفنا ثيمة التشكيل .. قصة "اللوحة" أولى قصص "نافذتان لذلك البحر" تبدأ بتأمل عميق من بطل القصة للوحة غامضة معلقة على جدران معرض، يتأمل غيوما وبرقاً ورياحا ومساحات تحمل ألوانا عدة .. إن هذا التأمل يمد البطل بأحداث مرعبة تحدث لاحقا لتنتهي القصة بهرب البطل خائفا من المعرض "تاركاً اللوحة تفسخ ثوب الأرض المتبقي" .. أما قصة "رماد اللوحة" أولى قصص المجموعة التي تحمل نفس الاسم فتتحدث عن معاناة شاب اسمه سلمان لديه موهبة الرسم منذ صغره يتعرض لضغوط اجتماعية تسبب له آلاما نفسية وجسدية فيقرر أن يرسم كل الشر الذي تعرض له في لوحة ثم يحرقها .. التشكيل هنا – كما في قصة "اللوحة" - مكون رئيس من مكونات القص .. هكذا إذن يبدأ يحيى قَصَّه في مجموعتيه الأوليين بالتشكيل .. أما في الطيور الزجاجية فان التشكيل ليس إلا معضدا للحبكة القصصية تسانده معضدات أخرى يمكن أن تحل محله أن أراد القاص دون أن تتأثر سيرورة القص .. فمن الذي يملك المراهنة أن قصة "من جدار أبيض إلى جدار أسود" ستفشل في إرسال رسالتها بدون سلفادور دالي ؟ .. ومن يجرؤ على الزعم أن "ليلة الخنجر" لن تسير للأمام بدون أن يتوقف ناصر لرؤية لوحة السيف والخنجر ؟!.. إن خفوت المشهد التشكيلي هنا يمكن أن نعزوه إلى تحقق المنذري كقاص تعويضا عن الفنان الفاشل ، لم يعد يشعر بتلك المرارة التي تدفعه لمحاولة التحقق تشكيليا على الورق .. لكن موهبة التشكيلي باقية ، وتطل برأسها في لوحة قصصية هنا أو في وصف هناك ، ولعلني لا أتعسف في التأويل إن قطعتُ بأن وصف يحيى لسلمان طفلا في "رماد اللوحة" ، والذي تتماهى فيه خبرة التشكيل بخبرة القص ، ما هو إلا وصف ليحيى نفسه : " وجد نفسه يحب المرأة والرسم، ودائما ما يشعر بحرارة غريبة تسري في يده تحفزه على أن يمسك القلم ويرسم طيوراً تحلق بعيداً عن الأرض، يرسم نساء جميلات وحدائق زهور وأشكالاً هندسية، كان في طفولته يرسم بقطع الفحم على جدران البيوت أشكالاً غريبة جدا ليس لها وجود، أشكالاً يبتكرها وكأنها سوف تتحقق في سنوات قادمة، بعد ذلك بدأ الرسم على الأوراق، مرة رسم شجرة أوراقها سوداء وثمارها رؤوس دامية، وتبدو الشجرة في اللوحة أكبر من المدينة وغائرة في سماء مليئة بالغربان وطيور أخرى غريبة الأشكال" .. لكن سلمان العاشق للرسم سيكون عُرضة لتوبيخ مسؤوله له الذي مزق اللوحة فوق رأسه وأمره أن يجمع المِزَق كي يرميها في القمامة.. من هنا ينفس سلمان عن غضبه برسم لوحات وحرقها ، أما يحيى فسيؤمن أن الطريق يتحدد بمقدار ما نمشي عليه من خطوات ، وسيختار طريق الكتابة ، حيث يغدو بإمكاننا ابتكار حيوات في الورق لم نعشها في الواقع، نرسم فيها لوحات جميلة ونبتكر شخوصا مدهشة ، ونتحدث بلغة آسرة ، ونطرح أسئلة ممضة ، نمضي مُتَحَدِّين الصعاب ، وعابرين الجدران التي تقف في طريقنا بعزيمة لا تكل ، مستحضرين في قرارتنا أمل دنقل : آه ما أقسى الجدار / عندما ينهض في وجه الشروق / ربما ننفق كل العمر .. كي نثقب ثغرة / ليمر النور للأجيال .. مرة ! /
ربما لو لم يكن هذا الجدار / ما عرفنا قيمة الضوء الطليق !! .


الثلاثاء، 7 يونيو 2011

عتبة الواقعية السحرية وغواية التفاصيل


يحيى سلام المنذري وطيوره الزجاجية

قراءة : خالد حريب


جاء باسم غريب لمجموعته القصصية «الطيور الزجاجية» ثم دخل مباشرة في الجزء الأول من المجموعة ليؤكد تلك الغرائبية فيلعب بالرمز كثيرا॥ ففي القصة التي تحمل اسم المجموعة فمه المليء بالشعر يمنعه من الصراخ॥ وهناك في نهاية المجموعة في وكر الحلاقين يصطدم بالرقابة الصارمة والتطفل فالمتماسكة أياديهم يراقبون رأسه وهي بين يدي الحلاق وهو الأمر الذي يزعجه كثيرا... لتصبح المسافة بين فمه في بداية النص وما بداخل جمجمته في نهاية النص هي الشغل الشاغل ليحيى بن سلام المنذري صاحب المجموعة التي يهديها بشموخ لثلاث زهرات مضيئة هن وجد وليان وسارة।وإذا كانت الغرائبية واحدة من الأسرار التي حاول المنذري أن يستخدمها في بناء النص إلا أنه لم يستسلم لهذا الإغواء بالمطلق فالربط متواصل بين خياله ورمزه وبين عناصر اليومي وربما بهذه الحيلة استطاع أن يجعل من مجموعته نموذجا لحل المعادلة التي طالما أنهكت قوى الكتابة وهي كيف تكون عميقا وبسيطا في النص الواحد।وقبل أن نبتعد عن هذه النقطة دعونا نتعرف على معنى مصطلح الغرائبية في الأدب ؟ حيث يرى بعض النقاد أن الغرائبية هي جزء أساسي من دلالات الواقعية السحرية كما شاعت في الأدب، خاصة القصة بشكليها الرئيسيين الرواية والقصة القصيرة।وفي حالة الطيور الزجاجية للمنذري نرى انه اعتمد عليها كلمسة فقط مع محاولة جادة منه لتضفيرها بتفاصيل الواقع إذ يرسم القاص تفاصيله رسما موغلا في البساطة والألفة مما يزيد من حدة الاصطدام بالغريب والمستحيل الحدوث حيث يجاوره ويتداخل فيه.وقد يرى البعض أنه لا تناقض بين العمق والبساطة॥ وهم بالطبع على حق ولكن تكمن البراعة في القدرة على الجمع بينهما فهذا الأمر لا يتحقق إلا من خلال كاتب عركته التجربة فيستطيع بهدوء إصابة هدفه دون افتعال.إنه واقع سحري فعلا، لكن الكاتب لا يرسمه للإمتاع فقط، وإنما للإيحاء بفكرة فلسفية أو مجموعة أفكار منها أن العالم الذي نراه مألوفا فيه قدر كبير من الغرابة، ومنها، لا نهائية المعرفة وما تتضمنه أحيانا من رعب.ويرصد النقاد أن خصائص هذا اللون من الواقعية يتجلى بوضوح في أعمال المبدع العظيم كافكا.وبالرجوع لطيورنا الزجاجية نشير إلى قصة «الممثل» فقد نجح المنذري في دمج عدة أطراف متباينة لتشاركه كتابة النص ومن بين تلك الأطراف القارئ ذاته فالرسالة تأتي من التلفاز من خلال ممثل يرمي بجملة حادة قائلا «لقد كتبت خمسين صفحة ولم أجد القصة بعد» وبعدها تتعقد الأمور حيث يتورط المنذري في زيارة مفاجئة لضيف.. والضيف له دراما مختلفة عن التي يعيشها الكاتب والقارئ يراقب بنفس لاهث التلفاز والكاتب والممثل والضيف ويبحث عن القصة وتبقى هذه الورطة هي بذاتها قصة يخطفها المنذري ليقدمها لنا في واحدة من ألعابه الشيقة.ويظهر الضيف بصورة مختلفة في نص آخر تحت عنوان فرعي «صاحب المزرعة» ولكن تتبدل المواقع فصاحب البيت منصور هو الذي يتحايل على القادم هذه المرة فيضيفه من محصول المزرعة التي يملكها القادم حيث اختلس منصور برشاقة بعضا من الفاكهة بغرض الستر لحظات الضيافة ولكنه يدفع الثمن غاليا بالتجريس والرحيل.ومجموعة الطيور الزجاجية لم تصدر لتسعى في الفراغ ولكنها كاشفة بل ومتصادمة في بعض الأحيان مع الصورة المسيطرة والعامة لشعوب العالم الثالث فيرصد المنذري في واحدة من حكايته صورة المستبد من خلال نص «خوف العصافير الصغيرة» متخذا حيلة المدرس المتعسف والتلاميذ البريئة ليكتب روشتة الانتصار بانفجار السخرية من الصف الأخير وبالرغم من الأثمان المعروفة في مثل تلك المواجهات إلا أنها تعتبر بسيطة في سبيل خروج مارد الغضب من داخل القفص.ودعونا نحاول معا فك شفرة غرام المنذري بحكاية «الزجاجية» فما أن نخرج من الطيور الزجاجية حتى يلح علينا في الجزء الثاني من المجموعة بعنوان مشابهة وهو «القطط الزجاجية» هل لأن الزجاج هش وشفاف ربما ؟صدرت مجموعة «الطيور الزجاجية» التي تقع في مائة وأربع صفحات عن دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع بدمشق – سوريا .. وجاءت لوحة الغلاف للفنان السوري ناصر نعسان أغا ومن تصميم المهندسة سوسن الحلبي.. وتعتبر المجموعة من أحدث إصدارات الدار والكاتب معا وتم تدشين الطبعة الأولى منها في 2011.






ملاحظة: نشرت القراءة في ملحق شرفات بجريدة عمان بتاريخ 07يونيو2011

الأربعاء، 5 يناير 2011

أين الطريق إلى حيث يسكن النور؟ قراءة في المجموعة القصصية (الطيور الزجاجية) ليحيى سلام المنذري







سماء عيسى




أين الطريق إلى حيث يسكن النور؟





هذا هو السؤال الجوهري الذي تخرج به بعد قراءتك الطيور الزجاجية ليحيى سلام المنذري، وإذا كان السؤال مقتبسا من سفر يونس ، النبي الذي كان ببطن الحوت فإننا نحن أيضا في هذا العالم، كما يدلنا يحيى، نسكن بيوتا من الزجاج مظلمة وداكنة، ليس بفعل افتقاد النور بل بفعل أفتقاد الروح. كذلك تجربة نبي الله كانت البحث، وهو في جوف الحوت، ليس عن نور الشمس بل عن نور الله الذي يضطلع الأنبياء بنشره بين العالمين.




يقدم يحيى شخصياته وقد افتقدت لهذا النور، فعاشت ليس في بيوت زجاجية فحسب، بل في قلوب زجاجية، دون أن تحس وتشعر بألم ما॥ لقد انطفأ بها نور الله وانطفأت بذلك المشاعر الانسانية التي تعيش بها। وفي ذلك يقترب يحيى من جوجول في رواية “الأنفس الميتة”، وهي تجربة بحث عن الحياة الحقيقية خارج الجسد البشري. بل ان اقتراب يحيى من أستاذه جوجول يتضح أكثر في قصتي “الأنف” لجوجول وقصة “الساق” ليحيى . إن الإشكالية التي غرسها جوجول في يحيى أكبر، حتماً هي اشكالية تشيؤ الانسان أي تحوله الى طير زجاجي مثلما يرى يحيى ومعه جيل كبير من المبدعين، الذين التفتوا الى ما تصنعه الحضارة الحديثة في الانسان، ترفعه الى الأمام حقاً، لكنها تفقده روحه، فيغدو كائنا صخريا أو زجاجيا أوما شئنا له من أوصاف تدلل على فقدان أهم ميزة اتت مع الانسان لتحافظ عليه انساناً خلاقاً، ألا وهي القيم الروحية الخصبة المتمثلة في سلسلة من الأفعال التي تبتعد به عن الوحشية والعدوانية والأنانية وغيرها من الصفات التي تنطلق بحرية في الأرض متفجرة معه حالة فقدان الروح.




هذا ما تقدمه على الأخص قصص الجزء الأول خاصة قصة السفاح الذي جاء المنزل مضمخا بالدم ويحمل معه سكاكين الذبح بعد ان مر على منازل أخرى وذبح الكثير من الشياه। كانت القصة ستنتهي نهايتها العاجية التقريرية، غير أن الاضافة الابداعية هي انطلاق غريزة الاعتداء على الحيوان الى اعتداء على الانسان أيضاً. إذ وبشكل تلقائي يهم الجزار بذبح مازن وسط ذهوله. هذا التصعيد هي الرسالة التي قدمها النص، إذ لاحقا لا مانع لدى السفاحين من قتل الأطفال وذبحهم وشرب دمائهم. بل أن التشيؤ يصل إلى مداه الأبعد في القصة التي تليه: “ثلاث زجاجات صغيرة”. إذ يقدم صبي حيواناته المنوية في زجاجات لقاء مبلغ من المال لثري॥ ويبقى السؤال دون إجابة: ماذا يريد هذا الرجل من حيوانات الصبي المنوية؟ إنه يريد الحياة مغلقاً عليها في زجاجات صغيرة. انها القصص التي تبدأ بحدث ما يقوم يحيى بترميزها أي تصعيد دلالاتها واضاءة ما هو معتم ومظلم أمامها ووراءها. لا يمتهن الكاتب التفسير ولا يقدم الحلول أو الاجابات، ذلك ليس من شأنه. الشأن هنا تلك الاضاءات العميقة التي يمارسها الكاتب بهدوء واتقان وتكثيف يبعده عن المباشرة وتسطيح النص ويقدم لنا بذلك نصوصا موغلة في الرمز المضيء وسط عتمة من الأحداث والأسئلة لا تنتهي أبداً. بالطبع هناك الأطفال ضحايا العصر بل وشاهدوه أيضا، الشهادة على انحطاطه تأتي منهم ومن الأمهات جمال الأرض الوحيد بعد اندثار قيمها.




لا يلاحظ الناس فقدانهم أجمل ما فطروا عليه: الحب। ذلك الفقدان يحدث تدريجيا وفي خضم الحياة اليومية وتفاصيلها، تسير الأمور الى نهايتها وكأنها طبيعية حقاً. فقط من لم يدخل في عجلة الحياة التي تطحن الانسان يوما بعد يوم وتحوله الى غذاء سهل للعقم والغرائز العدوانية الدنيئة، هو الذي يبصر مدى الكارثة، وليس هنا غير الأطفال كمازن بطل قصة “الطيور الزجاجية” وناصر بطل قصة “ليلة الخنجر” وأيمن بطل قصة “انقاذ”.




الكاتب يمتهن وبحذاقة بالغة فقط اضاءة لك ما أنت غير قادر على إضاءته، من خلال عيون الاطفال وممارساتهم البريئة। هل يعني ذلك أننا نحن جميعا شركاء في هذه المجزرة؟ وأنني قارئ النص من الممكن أن أكون السفاح في “أي يد ستمسك الحبل؟” أو الثري في “ثلاث زجاجات صغيرة” أو العريس في “ليلة الخنجر”!! بالطبع ذلك ما يود يحيى إضاءته لنا وقوله أن التفتوا الى أعماقكم تجدوا حقاً ما هو مخيف ومقزز. ربما يوقف هذا الالتفات طريقنا إلى الهاوية التي نسير إليها. يوقف طريقنا إلى المجزرة التي نعيشها كل يوم دون أن نعي ذلك. والحق أن سيرنا إلى الموت أرحم لنا حقاً وأجمل وأنبل من كارثة بقائنا طيورا من زجاج.




وفي حالة عقد مقارنة بين ساق منصور ليحيى وأنف كوفاليوف لجوجول نجد أن رمز تخشب ساق منصور جاء نظراً لعدم الحاجة إليه وبأنه أصبح عضواً زائداً في جسمه بعد أن كان أساسيا ، إذ به كان منصور يجلب لقمة العيش له ولأسرته عبر الجري من قرية إلى أخرى حاملاً الرسائل أو عبر العمل باحثاً عن العسل في الجبال। الساق هنا ترتفع وترفض النزول عن إرتفاعها احتجاجا، أي أملاً في الحركة ومن جديد، إلا ان جسم منصور أصبح متهالكاً وإبتدأ يسرد ذكرياته كشريط أمام عينيه، تلك الذكريات التي لعب فيها الساق دور البطل المغوار وأداة الشبق الجنسي وقاهر الأودية والجبال والرمال. ليست هي إذن نهاية الساق فحسب، إنها نهاية الرحلة بأكملها حيث لم يعد لهؤلاء الناس من منفعة على الإطلاق، حلت السيارة محل الساق في الأهمية كوسيلة للتنقل وقطع الأودية والرمال. أما أنف الرائد كوفاليوف فوضعه مختلف حقاُ، إذ ان هروبه الغامض من وجه صاحبه وتحولاته تلك كعسكري بارزة تارة وكموظف استقل عربة سفر، وساعده في ذلك حلاق الشارع الذي يعيش به كوفاليوف ويداوم على الحلاقة به. هنا تحدث هذه التجربة وصاحب الأنف في أمس الحاجة إليه ليس فقط كأداة للتنفس والشم، بالامكان حل ذلك بطريقة أو بأخرى، ولكن للصعود به وعبره إلى المستويات العليا للمجتمع والترقي في سلك الدرك وخوف الانتخابات المحلية وغيرها من الطموحات.




في الجزء الثالث من الطيور الزجاجية، يقترب يحيى من أقرانه العمانيين ممن كتبوا: نصوص التجربة. وهو وصف يطلق على النصوص الذي كتبها مبدعون عمانيون بناء على جرح شخصي أو ذاتي عميق أو صدمة نفسية مفاجئة أتى بها الزمن كعادته ودون سابق أنذار أو حسبان وهز تكوينهم الجسدي والنفسي ولكنه بالتالي قدم لنا هذه التجارب الابداعية المتميزة.
أهمها بالطبع تجربة “مذاق الصبر” لمحمد عيد العريمي، ينضم إليه بعد ذلك عبدالله حبيب في “فراق بعده حتوف” وخليفة بن سلطان العبري في “على الباب طارق” واسحاق الخنجري في “وحده قلقي”।




ما دار ليحيى في يوم للمطر هو سقوطه المفاجئ وذهابه أثر ذلك في غيبوبة لم يفق منها إلا بعد فترة من بقائه بين الحياة والموت، كان مهددا فيها بالشلل التام في المخ خاصة. هذه التجربة قدمها يحيى لنا في نصي “يوم واحد يتلألأ في عيني” و “من جدار أبيض إلى جدار أسود”.
يقوم الكاتب بتقديم تجربته “من جدار أبيض إلى جدار أسود” عبر مشاهد سينمائية كشكل مختلف للكتابة السردية। هي مشاهد أقرب إلى الرؤى الفجائعية، إلى الكوابيس التي تتراءى لمن هو بين اليقظة والموت. وربما المشهد الثالث من عدد المشاهد السبعة عشر هو الأكثر قوة في التوظيف والنفاذ إلى مأساوية الواقع لطفل من الريف العماني تسكن عقرب سامة ملابسه وتقوم بلدغه المتواصل حتى الموت، ومع صراخ الطفل المتواصل لم يجد والداه والطبيب وممرضات المستشفى سببا معروفا لبكائه إلا بعد موته وخلع ملابسه حيث وجدت العقرب ملتصقة بها. أما المشاهد الأخرى والتي استعان الكاتب فيها بتوظيف مشاهد من فيلم الكلب الأندلسي لبونويل وسلفادور دالي فجاءت رغم أهمية التوظيف أقل قوة في مأساويتها من الفيلم الموظفة مشاهده في الرؤى، أعود هنا الى مشهد قطع بؤبؤ العين الذي يقوم به في النص بونويل لعين سلفادور دالي مثلما تراءى في غيبوبة يحيى، في الفيلم كان المشهد أبلغ حيث يقوم دالي بقطع عين الفتاة بوسي إلى نصفين وتضيف قوة المشهد البصري السينمائي انشقاق القمر الى نصفين لاحقاً. بعدها تتابع مشاهد كابوسية في الفيلم غابت عن توظيف يحيى كالمشهد الذي تخرج فيه الديدان من يد الرجل مما يؤدي إلى تعفنها ورميها في الشارع أو تلتقطها لاحقاً امرأة سرعان ما تصدمها سيارة تموت على اثرها الصدمة الى آخر تلك الأحداث الكابوسية التي افتقدت توظيف يحيى. والاشكالية الاساسية هي تقديم بونويل كسادي يقوم بقطع عيني دالي، في الوقت الذي يفترض فيه العكس من يحيى. فمن يفتخر بساديته وحبه للفاشست هو دالي صديق فرانكو وليس الهارب من بطش الفاشت الى اوروبا والسينمائي الطليعي بونويل.




في النص الآخر “يوم واحد يتلألأ في عيني” وهو المكمل للنص السينمائي السابق سيستعين الكاتب فيه بأسطورة طائر الشؤم، والطير هنا وثيق الصلة بتجربة يحيى وهو دوما ما يعطي نصوصه هذا التميز الأسطوري، وبالمرأة كمنقذ حتى في أشد حالات المرض، بالطفولة أيضا، بالقلق الوجودي بالخوف من موت مبكر جراء الصدمة، إنه حقاً نص سردي فجائعي مدهش تتداخل فيه مشاعر الحب والموت، تتداخل فيه أزمنة اليقظة والغيبوبة وتقفز فيه إلى ذاكرة الكاتب ما كان غائبا ومندثراً كأصدقائه القدماء بعضهم يعيش والآخرون رحلوا الى غياب بعيد।




تكتمل هكذا محاور الطيور الزجاجية ليحيى في أجزائها الثلاثة। مقدمة لنا كاتبا مكتمل الأدوات الفنية، ذاهبا بتجربته التي إبتدأت منذ عشرين عاما إلى ألم مخيف يسطر هذه التجربة المتميزة عبّر عنها في تكثيف يكشف عما هو مخيف قادم مستقبلا أكثر عن ما مضى رغم عذاب الماضي وألمه: “أنتهت لعبة المرح وازادد خوفهم، ازداد وما زال يزداد حتى هذا اليوم.”.



ملاحظة: نشر هذا النص في مجلة "البحرين الثقافية" العدد 64أبريل 2011

الأحد، 20 ديسمبر 2009

اضاءات حول نصوص بعض أعضاء جماعة الخليل بن أحمد الفراهيدي للأدب بجامعة السلطان قابوس

تم نشر هذه الاضاءات في ملحق أقاصي المنشور بجريدة الشبيبة بتاريخ 20ديسمبر2009



يحيى سلام المنذري


نظمت لجنة النثر التابعة لجماعة الخليل بن أحمد الفراهيدي للأدب جلسة قصصية في يوم الثلاثاء بتاريخ 17 نوفمبر 2009 قرأ خلالها ثلاثة من طلبة الجامعة نصوصا قصصية وهذه إضاءات نقدية حول القصص.

"لا يوجد شعب لا في الماضي ولا في الحاضر، ولا في أي مكان من غير قصة". الناقد الفرنسي رولان بارت
-----------------------------------------
الحكايات كثيرة في حياتنا ، والقصة تستمد قيمتها من صدق الكاتب نحو قضايا تمسه وتلامس من حوله، والكاتب يقص على الورق حكايته القصيرة أوحكاية ما حوله أو حكاية شعب أو تاريخ، يعبر عنها بإسلوب فني غير مباشر عن مشهد مكثف مجتزأ من عمق الحياة يحتوي على شخصية أو أكثر ॥ هذه الشخصية قد تكون إنسانا أو مجموعة من الناس أوكائنا حيا آخر أوجمادا॥يعبر عنها في حالة ॥أو رؤية ذاتية أو غير ذاتية ॥ أو من خلال فلسفة قضية ما في ثنايا حكاية॥في الواقع ..أو الإسطورة ..أو الخيال । أو الخرافة ، وكل ذلك في نصف صفحة أو أكثر، إنها قطعة أدبية فنية تصنف على أنها قصة قصيرة। والقصة القصيرة الناجحة من وجهة نظري هي التي تحتوي على فكرة غير مألوفة عبر لغة سلسة وأحداث مشوقة قد تكون واقعية أو غرائبية تسلب لب القاريء من البداية وحتى النهاية بحيث ترسخ في ذاكرته مشعة بأحداثها ونهايتها، هي التي تدهشه وتجعله يقول كم تمنيت أن أكتب كهذه القصة أو يقول ياه هذا ما كنت أريد قوله أو كتابته. ونحن اليوم أمام ثلاث قصص قصيرة لكاتبتين وكاتب : قصة "مجرد وهم" للكاتبة نوف السعيدي، وقصة "مدعي الجنون" للكاتبة رحمة الحراصي وقصة "رسالة إلى الشمس" للكاتب أحمد الحجيري، وقد إختلفت القصص الثلاث في الإسلوب والأفكار وحاولت تقديم كتابة إبداعية بعيدا عن أساليب التهويم والتهويل في الكتابة وكل نص يختلف في مستواه الفني عن الآخر، وبحق فإن هذه الكتابات تنم عن مواهب سيكون لها شأن إذا ما تم الاشتغال على تطويرها بالقراءة والاطلاع والكتابة المستمرة وعدم ربطها فقط بأيام الدراسة في الجامعة وعلى أنها مجرد نشاط في وقته وقابل للإختفاء بعد التخرج، بل يجب أن تكون الكتابة بمختلف أنواعها (قصة ورواية ومقال وشعر وبحث) مشروع حياة لأنها عمل إبداعي يعبر عن الكاتب والشعوب وقضاياهم وهي في غاية الأهمية.
***
قصة "مجرد وهم": قصة فتاة تحمل منذ طفولتها شبح وهم وهو أن ثمة من يراقبها، تولّد عندها -حسب ما ورد في القصة- منذ أن كانت أمها تراقبها وهي طفلة خوفا عليها من الأشياء المؤذية، ظل هذا الوهم يتبعها حتى بعد المراهقة ، لكن كيف عبرت الكاتبة عن كل ذلك؟ القصة اقتربت من التكثيف والتركيز على عنصر الوهم الذي يرافق الفتاة، وقد تم فضحه من العنوان (مجرد وهم) وهذا أفقد القصة عنصر المفاجأة ، إضافة إلى أن الفقرة الأولى التي استفتحت الكاتبة بها القصة أدت نفس مهمة العنوان وهو كشف خبايا القصة وخاصة في عبارة (دائما ما كنت أشعر بهم يراقبونني، ثم اكتشفت أني واهمة) ، هنا تُكتشف فكرة القصة وفكرة الوهم ، ولكن رغم ذلك فإن الكاتبة آثرت بأن ترمي عنصرا آخرا أو شبكة تشويق للقاريء حينما كتبت: (غير أن الأمر جدي هذه المرة ، إنهم في كل مكان، لا أستطيع التحرك خطوة بعد، إنهم يتبعونني مذ ذلك اليوم..هم لا يرتدون البدلات السوداء حتى لا أكتشفهم) هذه العبارة أضفت على الحكاية نوعا من الغرابة هو مفتاح يجب أن يستلمه القاري ليتوجه ويبحث عن قفل الحكاية ليفتحه ويعرف ما سر هؤلاء أصحاب الملابس السوداء. لكننا لا نقرأ عنهم سوى في الفقرة الأخيرة من القصة وكأنهم يرمزون للرقابة المستمرة وأن كل ما مرت به الفتاة ليس وهما أو ربما تريد أن تقول إن الذي كان وهما أصبح حقيقة الآن. وبين الفقرتين الأولى والأخيرة تبدأ حكاية ظهور واستمرار الوهم من خلال قصة طريفة للفتاة وهي في مرحلة الطفولة وقصة أخرى في فترة المراهقة ، القصة التي وردت في مرحلة الطفولة كانت بحق جميلة ونجحت الكاتبة في التعبير عنها فاللغة كانت رشيقة وابتعدت إلى حد ما عن المباشرة وكان الإسلوب مشوقا والفكرة غير مألوفة ، كما نجحت في صياغة الحوارات بين الأم والطفلة وبين المعلمة والطفلة، أما القصة التي وردت في فترة المراهقة كادت تقترب من نفس عناصر الأولى لولا أنها وقعت في إسلوب تقريري في الجزء الأخير الذي تفاجأنا فيه بإكتشافها أن كل ما مرت به ليس سوى حالات من الوساوس وذلك بسبب وقوعها في مرحلة النضج وابتعادها عن المراهقة، والكاتبة كان بإمكانها التعبير عن هذه الفكرة بأسلوب أفضل.
***
قصة "مدعي الجنون": وفقت الكاتبة حينما بدأت القصة بجملة حوارية على لسان الأم .. ((إسبقيني إلى الخارج)) .. هنا ترمي الكاتبة عنصر التشويق ، ليكتشف القاريء بعدها أن الحكاية ستكون عبارة عن مشهد مجتزأ عند الباب ، المشهد في داخل البيت يتمثل في شخصية الأم والفتاة الساردة، وفي خارج البيت يتمثل في شخصية القصة الرئيسية وهي المجنون سعد أوسعدون ، حيث يدور حوار بين شخصية الأم وبين سعدون ، بينما الساردة تصف المشهد بمشاعرها العفوية والتي تقترب من المشاعر الطفولية، بدأت القصة محكمة فنيا حيث أحتوت على التشويق والوصف للشخصيات والحدث والحوار، وما إلى ذلك من عناصر الحكاية ، إلا أنها بعد ذلك تعثرت في التحدث عن شخصية المجنون بشكل مباشر وتقريري، وكيف أنه كان في المدرسة وكيف أصبح في الصف التاسع ، والتحدث عن عبقريته المختبئة وراء جنونه ، بدون إشتغال واضح على عملية السرد القصصي المشوق وكأنه بيان يجب أن نعرفه عن المجنون في نهاية القصة. أما من ناحية الفكرة فإنها -في رأي- مألوفة بعض الشيء فالحكايات التي تتحدث عن هذه الشخصيات كثيرة ومتكررة ولكن كان بالإمكان التعبير عنها بإسلوب غير مألوف مثل التركيز على نفسية المجنون وسرد أحداث غريبة عنه. وكتابة القصة تحتاج إلى إشتغال فني ومجهود في التعبير عن الأحداث والشخصيات حتى وإن كتبت في خمسة أسطر، فعالم القصة القصيرة قد يكون مكثفا ولكن يجب أن يكون عميقا وقد يتحدث عن أشياء كثيرة.
***
قصة "رسالة إلى الشمس": هذا هو العنوان الوحيد بين النصوص الثلاثة الذي بدى مشوقا ومبهما ، فالقاريء يريد أن يتبين ما هي هذه الرسالة ولماذا هي موجه إلى الشمس. القصة عبارة عن رسالة إلى صديق قديم إبتعد عن أصدقائه وقد مثل الكاتب إبتعاده بإبتعاد الشمس عن الأرض، ولكن أليست الشمس قريبة من الأرض وكائناتها ، بل تقدم لها الحماية والدفء؟ الرسالة عبارة عن خواطر عاطفية وذكريات وعبارات من العتاب ، تبتعد عن الحكاية ، وهي موجهة إلى شخصية مسعود الذي لا نكتشف سبب إبتعداه عن أصدقائه الثلاثة ، مجرد إشارات إلى أنه رحل عنهم وأصبح في عالم غير عالمهم ، النص -كما ذكرت- عبارة عن مجرد خطاب إلى صديق رحل إلى عالم آخر. ولكن هذه الرسالة إحتوت على لغة جميلة وتخلو تقريبا من الأخطاء وصياغتها جاءت متماسكة ، بينما في القصة الأولى والثانية هناك بعض الأخطاء الإملائية والمطبعية. وأود أن أشير إلا وجود بعض العبارات الجاهزة -والتي وردت في قصة مجرد وهم وقصة مدعي الجنون- والتي لا يحبذ إستخدامها في كتابة نص إبداعي ، حيث من الضروري أن يستخدم الكاتب إسلوبه الخاص الفني في صياغة عباراته وجُمله، ومن الأمثلة على ذلك عبارات من مثل: ((هل أتى علي حين من الدهر))، ((الأحياء منهم والأموات))، ((عبارات الثناء))، ((ضرب للشرطة أروع الأمثلة في الذكاء)).

الثلاثاء، 14 يوليو 2009

اضاءات حول النصوص القصصية المشاركة في الملتقى الأدبي الخامس عشر

الصورة نقلت من موقع السلطنة الأدبية

يحيى المنذري – سليمان المعمري

حياتنا قصص.
للكون قصة، وللأرض قصة، وللبحر قصة، وللجبال قصة، وللإنسان قصة، للنهار والليل قصة. لكل الأشياء قصة. فما الذي لا يوجد له قصة؟ وللقصة قصة. كل ما حولنا قصص .. تتكون بتكون الأرواح وبتكون الجماد .. تتناسل القصص يوما بعد يوم ، منها توارى وإختبأ في صندوق التاريخ ومنها موجود في لوحات الحاضر ومنها سيتكون وسيكون، وكل يوم يصادف الواحد منا قصة ، ويأتي كاتب ويكتب قصة ، ليأتي قارئ ويقرأها وربما ستدهشه أو ربما ستزعجه وكل ذاك سيعتمد على معنى الإبداع ، ومعنى التفرد.


وهاهو الملتقى الأدبي الخامس عشر يحتفي بالشعر والقصة القصيرة والفن التشكيلي والمسرح كاشفاً عن العديد من المواهب. وفي مجال القصة القصيرة شارك في المسابقة ثلاثة عشر نصّاً ، كان أكثر من نصفها قصصاً جيدة . وقد تفاوت أسلوب الكتابة في القصص المشاركة بين التوظيف الجيد للتقنيات السردية وبين الوقوع في بعض عثرات البدايات ، كما تفاوت بين المباشرة في الطرح وبين الأسلوب الفني والمشوق ، وقد تميزت نصوص هذا العام بابتعادها عن التهويمات اللغوية التي كانت سائدة في ملتقيات سابقة وتركيزها على لب الحكاية نفسها ، كما امتازت بابتكار أفكار جديدة في أكثر من نص . وتأتي هذه القراءة السريعة لتضيء بعض الجوانب الفنية في هذه النصوص :


قصة (خفة ظل) للكاتب وليد النبهاني:
اعتمدت القصة على مشهد واحد ، بث الكاتب فيه الحياة وملأه بالكائنات والحكايات فهناك الجبلي والشجرة والظل والذئب والطيور والنحل وغيرها، إلا أن الظل هو البطل الأساسي في القصة ، فهو كائن بروح ومشاعر إنسانية وكان ينظر ويصف ويحكي. ويبدأ السارد الحكاية منذ أن وصل الجبلي إلى مكان الشجرة الهرمة ليستخدم ظلها بعد عناء ومشقة، ومن هذا المشهد بدأ الكاتب برسم مقدمة عن الأحداث القادمة حيث يتضح بأن الظل هو محور الحكاية الأول والشجرة هي المحور الثاني ، والشجرة هي التي تولد الظل فيتحول إلى مكان يجذب كائنات أخرى ، فالجبلي يستخدمه في الراحة ، بينما الشاة تأتي لأكل بعض ورقات الشجرة ، والسارد يطرح فكرة أن من يستخدم الشجرة والظل لا يقومون بدفع الثمن بل على العكس فمثلا الشاة كانت تلقي بعراتها على الظل، ثم تأتي قصة الذئب محاولا إمساك الشاة ، وهكذا تتوافد الكائنات وتدخل المشهد وتستخدم الشجرة والظل. القصة تريد أن تقول أشياء كثيرة رغم قصرها ضمن فكرة غير مألوفة ومدهشة ، كما جاء الأسلوب مغايرا عما نقرأه من قصص، وجاءت الأحداث في لوحة رسمت بتمعن وقد حاول القاص أن يفلسف الأحداث بشيء من المكر وكان ترابطها متينا ومركزا وقد ابتعدت القصة عن الحشو المعتاد في بقية القصص المشاركة في الملتقى فهي لوحة فنية ملونة بالكائنات والذي رسمها يستحق التقدير. كما أن القصة قابلة للعديد من التفاسير وتحتاج إلى قراءة عميقة تنبش أسرارها.


قصة ( بقايا سرير ) للكاتب ماهر الزدجالي :
أجمل ما في هذه القصة ساردها .. ان السارد هنا هو سرير فخم ( أو لنقل أنه كان فخما فقد دارت عليه الدوائر وصار "بقايا سرير" كما يقول عنوان القصة ) .. العبارة الأولى التي بدأ بها الكاتب قصته هي : "في الغرفة 101 كان ......" وكأنه بهذا الرقم يحيلنا الى عوالم "ألف ليلة وليلة" ، واعداً ضمنيا بحكاية مدهشة كحكاياتها .. كيف لا والسارد هذه المرة جماد يتطفل على حيوات البشر المختلفة .. ان اختيار السرير ليكون سرير فندق هو اختيار موفق وذكي من الكاتب ، لأن غرفة الفندق عادةً ما يتردد عليها أصناف متباينة من البشر ، وهو ما أتاح للكاتب استعراض نماذج مختلفة من الناس خلال القصة .. النموذجان الأبرز من هذه النماذج هما ما يمثلان علاقة الرجل بالمرأة .. في النموذج الأول تكون العلاقة الجسدية بينهما شرعية – أو هكذا يُفترض كما يتضح من الفستان الأبيض الذي ترتديه المرأة - ولكن هذه العلاقة تنتهي الى الفشل ، بسبب عدم الانسجام بينهما .. أما في النموذج الآخر الذي يفترض فيه أن تكون العلاقة بين الرجل والمرأة غير شرعية بمقاييس الدين والعرف والمجتمع ( كون كل منهما يخون زوجه ) اذا بها تكون علاقة جسدية ناجحة ، وكأن الكاتب يحيلنا من خلال هاتين العلاقتين الا اختلال الموازين في الحياة بشكل عام .. أما النموذج الثالث وهو نموذج رجل الأعمال المحتال الذي يبرم الصفقات المشبوهة غير آبه الا بربحه الشخصي فقد عابه ذلك المونولوج الذي يلقيه هذا الرجل : "كل صفقات الأراضي فاشلة ! ومن الفشل ....."، والذي كان ممكناً الاستغناء عنه دون أن يختل البناء السردي خاصة مع وجود عبارة تلخصه مثل " كان صوته عاليا وحادا .. ومما فهمته أنه خسر للتو صفقة كبرى "
لغة هذه القصة جاءت جيدة في المجمل مع بعض الملاحظات حول بعض الصياغات اللغوية التي كان ممكنا الاعتناء بها أكثر ( مثل "الأثاث الايطالي الماركة" و"السجادة حمراء مصنوعة في ايران" ، علاوة على تكرار كلمة "بالأحرى" أكثر من مرة ) . اضافة الى بعض الأخطاء الاملائية .
أما أجمل ما في هذه القصة فهي نهايتها المفاجئة التي تفاجئنا بأن السرير الفخم كان يسرد حكايته تلك لسرير حديدي .. ان جمال هذه النهاية في كونها تجعلنا نكتشف أن احتجاج السرير الصارخ على عالم البشر المليء بالتناقضات لم يكن موجهاً لهؤلاء البشر ، بل لعالم الجمادات .. انه – أي السرير الأنيق - لم يعد يكترث بهؤلاء البشر الذين أحرقوه وجعلوه مجرد "بقايا سرير" ، ولذلك فانه يوجه سرده ويبوح بألمه لسرير مثله ، قلبه من حديد .


قصة ( صدى لأوجاع قديمة ) للكاتبة أمل المغيزوي:
الضرس في هذه القصة يتحول فنيا إلى خيط يربط مشاهد مختلفة في حياة صاحبه والذي جعلته الكاتبة من غير إسم، بدأت الكاتبة القصة بوصف الفجوة السوداء والتي اتسعت في هذا الضرس ، ثم يبدأ صاحب الضرس والذي كان يتألم بشدة بسرد ذكريات حول الضرس في مشاهد متماسكة فنيا. كما طرزت الكاتبة في ثنايا النص بعض الأوصاف العميقة والصادقة ، وكان دفن الضرس هاجس بطل القصة -والذي يبدو أنه شاب صغير السن- بعد أن كانت له تجربة مريرة في تحطم أحد أضراسه إلى ثلاث قطع ودفنه في قلب حفرة مبللة، وهذه الحادثة ذكرته بحادثة دفن قدم والده بعد أن خلعت حتى مات حزناً على فقدان قدمه. تداعيات متنوعة تتناسل بسبب الضرس رغم الأخطاء اللغوية والاملائية التي انتشرت هنا وهناك. وتقنية الكتابة في هذه القصة لم تأتِ بجديد سوى أن الضرس حاضر كعدو لصاحبه لأنه يبث فيه الآلام ويعرض أمامه ذكريات مختلفة.


قصة ( رسائل وردة ) للكاتبة هدى الجهوري:
قصة رسائل وردة – والتي يبدو أن أسلوب الكاتب زكريا تامر حاضر فيها- جاء أسلوبها مشوقا وجذابا فالكاتبة تركز كثيرا على أن تكون لغتها رشيقة وسلسة وشاعرية وأن تكون فكرتها غير مألوفة ، فبنية القصة كان متماسكا واحتوت على أفكار مدهشة، فالقصة تحكي عن طفلة ذكية ومتفوقة في دراستها وتدرس في الصف السادس الابتدائي إلا أنها لا تستوعب العالم من حولها فتبدأ بطرح أسئلة كثيرة ، كما أنها تعتقد بامكانية خروج شخوص التلفاز منه كجهاز بواسطة كسره بحجر كبير ، وهذه التصرفات وغيرها تسبب قلقا كبيرا لدى والديها مثلما سببت قلقا لدى القارئ. فهناك مشكلتان ساهمتا في تصدع بنيان هذه القصة: أولا أن ذكر صفات وردة بهذه الطريقة في القصة ، التفوق غير العادي والذكاء، يتناقض مع تصرفاتها كمثل رغبتها في كسر التلفاز لتنقذ أصدقائها من الرسوم المتحركة وأيضا إستغرابها من فكرة أن الإنسان خلق من طين رغم وصولها الصف السادس الابتدائي وغيرها من التصرفات التي وردت في القصة. المشكلة الثانية هو وجود بعض الحوارات للطفلة أكبر من مستواها الثقافي وكأن الحوار لم تقله الطفلة بل كتبته ومثال على ذلك قولها (كيف سأستحم وأنا من طين..أنا متأكدة أني سأذوب كما تذوب القلعة الرملية بالقرب من الشاطيء كلما لامسها الماء) ويلاحظ بأن الجملة طافحة بالخيال ولها بعد كتابي وقصصي ولا تقترب من كلام تقوله طفلة. وأخيرا نقول انه لولا وجود هاتين المشكلتين لأصبحت القصة أكثر جمالا وبعدا ورؤية وستكون قابلة لتفاسير عديدة كما أنها ستكون أكثر دهشة وقربا للقارئ.


قصة ( القطة لم تعرف بعد ) للكاتب سالم العمري :
تستقي هذه القصة حكايتها من الواقع .. هي صرخة ادانة لواقع بات السوس ينخر الكثير من قيمه وأخلاقه ومبادئه .. تبدأ القصة من لحظة تفجير رئيسية تتحرك بالأحداث الى الأمام : انها لحظة محاولة دهس القطة التي ستؤدي الى دهس انسان وما سيترتب عليه من قدوم الشرطة وتوجهها بالجانية وصاحبتيها الى المركز للادلاء بافادتهن حول الحادث .. ومن خلال مشاهد استرجاعية ( فلاش باك ) يتكشف لنا شيئا فشيئا الماضي الحزين لهؤلاء النسوة والذي حولهن من ضحايا الى جانيات اذ لا مفر آخر ، لتنتهي والقطة لم تُدهس بعد في نهاية مفتوحة على كل الاحتمالات .
رغم سلاسة السرد في هذه القصة الا أن عيبها الأكبر هو اللغة .. ليس فقط في الأخطاء الاملائية والنحوية الكثيرة ، بل في صياغات الجمل نفسها التي كان يلزمها قدر أكبر من الاعتناء .. كما وقع الراوي في مزلق الجمل التقريرية المباشرة أحيانا من قبيل : "كم هم طيبون الرجال حين يكونون في بداية الطريق الى التعرف بامرأة ؟! " و " ما أسهل الضحك عليهم ، وما أسهل أن تأخذ أرقامهم عبر المنتديات الالكترونية التي يرتادونها "

قصة ( هل قابلتم فكرة السيد رضوان ؟ ) للكاتبة ليلى البلوشي :
تطرح هذه القصة فكرة فلسفية بطلها مواطن عربي يعاني من طرق شديد في رأسه يكتشف لاحقاً أنها (فكرة) تحاول الخروج بدون جدوى .. ولا يخفى ما ترمز اليه هذه القصة من تراجع للعقل العربي الذي اختارت له الكاتبة اسم رضوان ( اسم خازن الجنان في موروثنا الديني ) وسبقته بلقب "السيد" في اشارة الى أنه كان لهذا الرجل شأن ذات يوم قبل أن يعجز عن اخراج فكرته من دماغه .. وتمضي بنا القصة في نقد الراهن العربي حين تؤكد أن الرجل لن يستطيع الرجل اخراج هذه "الفكرة" الى النور الا في بلد يحترم العقل والتفكير كاليابان ، ولكن – وكما هو متوقع – فعندما تخرج الفكرة خارج منبتها الأصلي فانها سرعان ما تضيع ، ليتحول البطل من النقيض الى النقيض : من كونه طارداً للفكرة الى لاهث ورائها . ورغم جمال فكرة هذه القصة الا أنه عابها بطء السرد ، فالبطل احتاج الى شهور ليكتشف أن ما يطرق رأسه كالمطرقة هو فكرة مجنونة .. ولكي يقرر اخراجها احتاج أيضا الى وقت طويل آخر تخلله كثير من العبارات التقريرية التي لم تضف شيئاً للسرد بقدر ما عطّلتْ تدفقه ، من قبيل : "فالأفكار الحبيسة لا تعمل شيئا سوى التسكع بكسل مفرط في دماغ غث كصاحبه حتى تنطفئ اشهاراً عن موت أبدي لها ، أما الأفكار التواقة الى التحرر فهي غيوم حُبْلى لا تستقر في كل المواسم في سماوات الأدمغة المقحلة " ، أو من قبيل : "ولطالما كانت اليابان من الشعوب المرحبة دائما بالتعاون مع سكان الشرق الأوسط" . كانت نهاية القصة مفتوحة وهي أن السيد رضوان : "ظل يبحث عن فكرته التي ضاعت خارج وطنه من بلد الى آخر ، وما زال بحثه الى اليوم مستمرا" ، ولكن الكاتبة آثرت أن تضيف الى النهاية هذا التساؤل : "فهل قابلتم فكرة السيد رضوان ؟ " ، وهو تساؤل لم يضف شيئا للقصة ، ولعل الكاتبة طرحته فقط لتبرير عنوان قصتها .
بقي أن هذه القصة الجميلة شابتها بعض الصياغات اللغوية غير الصحيحة التي احتاجت الى عناية أكبر من الكاتبة .

قصة (كاتب مغمور) للكاتب علي سيف الرواحي:
السارد في هذه القصة يتبع كاتبا مغمورا أينما ذهب ويأتي على ذكر بعض الأوصاف والأحداث التي تصادف ذلك الكاتب مثل جلوسه وكتابته ونومه على الأرصفة وغيرها، ومعظم هذه الأحداث تأتي مألوفة وتفتقر إلى الخيال، ثم تكشف لنا نهاية القصة بأن ذلك الكاتب المغمور هو نفسه السارد. وجاءت النهاية وكأنها حلم أو واقعة سردها لنا الكاتب. وقد أتت الأحداث متسلسلة ومترابطة إلا أن القصة إحتوت على جمل مرتبكة وتحتاج إلى إعادة صياغة.

قصة ( الانتقام ) للكاتب أحمد بن محمد الحجري :
تسرد هذه القصة حكاية حيوان أسطوري كان يعتدي على أهالي احدى القرى الصحراوية ، فيقرر بعضهم التخلص من هذا الحيوان بالكُمون له ليلا ومطاردته بسيارة دفع رباعي ، وينجحون في ذلك بالفعل ولكن ليس بدون آثار جانبية خطيرة . فقد تعرض "ود عبود" الذي قطع ذيل الحيوان براً بقسمه لمرض خطير قاتل ما لبث أن انتشر في القرية بأسرها ! . حاول الكاتب أن يسرد هذه الحكاية بأفواه أهل القرية ، أي باستخدام تقنية تعدد الأصوات مع بقاء هيمنة السارد العليم . غير أن استخدام هذه التقنية لم يضف كثيراً للقصة ، خاصة اذا علمنا أن ثلاثة ساردين ( "ود العيم" ، و"خليفة" ، و"ود عبود" ) لم يفعلوا أكثر من تكرار الحكاية نفسها تقريبا ، والتي تتلخص في مفاجأة الحيوان لهم ، ونجاحهم في مقاومته .. أما السارد الرابع "سعدون" فهو الوحيد الذي يمكن اعتباره قد روى شيئا مختلفا ، وهو تفاصيل القضاء على هذا الحيوان العجيب ..
كُتِبتْ القصة بلغة جيدة ولكن يبقى أن ثمة تهويلاً وتضخيماً في السرد أكبر مما تحتمله حكايتُها .

قصة ( معنى أن تكون مريضا ) للكاتب داود الجلنداني :
قصة جيدة بلغة سلسة .. تسرد حكاية مريض نفسي يقرر أخيراً وضع حد لمعاناته بالانتحار من خلال رسالة وداع أخيرة يكتبها لطبيبه المعالج .. نفهم من سياق السرد أن هشام – الشخصية المحورية في القصة – ارتكب من خلال استهتاره جريمة غير متعمدة بقتل شقيقَيْ صديقه صالح دهساً بالسيارة نتيجة استهتاره واستعراضه في سياقتها وهو الأمر الذي جعله يقع تحت وطأة الندم الشديد وتأنيب الضمير الذي لم يخفف منه سجنه لعدة سنوات ..
يسرد الكاتب القصة بطريقتين : طريقة الراوي العليم كلي المعرفة والذي ينظر للأحداث من علٍ دون أن يتأثر بها ، هذه الطريقة تعضدها وتكملها طريقة الراوي المتكلم المنكوي بنار القصة وذلك من خلال تقنية الرسالة .. هاتان التقنيتان أضفتا على الحكاية سلاسة وأبعدتا عنها الملل .. بيد أن ثمة ملاحظات تؤخذ على القصة نجملها فيما يلي :
1- التقريرية والمباشرة في عرض الفكرة وتوضيح ما هو واضح أصلا "يجعلون لك ألف سبب يدفعك للموت .. مجتمع لا يقدر معنى أن تكون مريضا لا يستحق أن تعيش فيه "
2- لغة الرسالة الجزلة وسلاسة أفكارها وتحليلاتها للأمور تتناقض مع كونها صادرة عن مريض نفسي مشوش الفكر وعلى وشك الانتحار !
3- في الجزء الأخير من القصة يجري الحوار التالي بين الطبيب والممرض :
- أعد قراءتها مرة أخرى أيها الممرض منير
- ولكنني قرأتُها مرات عديدة هذا الشهر يا دكتور !
فاذا كانت الرسالة موجهة من مريض الى طبيبه ، فلماذا يحتاج الطبيب الى الممرض كل مرة لقراءة هذه الرسالة .. هل من اختصاصات الممرضين قراءة الرسائل الخاصة للأطباء !! .


قصة "ذكرى" للكاتبة لينا بنت زاهر الخصيبي :
تسرد هذه القصة حكاية امرأة حاولتْ كاتبتُها أن تجعلها _ أي المرأة - استثنائية ، ولكن بدون أن تبذل جهداً كافيا لسبر غور هذه الشخصية .. تحاول الكاتبة أسطرة هذه المرأة بأكثر من طريقة : تارة بجعلها شبه مجنونة تدخل كل بيوت الحارة وتستأثر بنمائم أهلها ، وتارة بجعلها تطير في الليل بصحبة الكلاب ! . ورغم أن الراوي يبدأ في النصف الأول من القصة بسرد حكاية هذه المرأة ، الا أنه يترك هذه الحكاية في بداية النصف الثاني لينشغل بسرد ذكريات طفولته ومقارنتها بالراهن الرديء ، ولا يعود للمرأة الا في نهاية النص وقد "أصبحتْ على هامش الحياة" ينظر اليها كأنما يرى تحفة قديمة . لكي يُقدّر القارئ هذا النص حق قدره فعليه ألا ينظر اليه على أنه قصة ، بل على أنه – كما يوحي عنوانه – قطعة من الذكريات دونتها كاتبتها بلغة سلسة على هيئةِ يومية أو تدوين ، خاصة وأنه زخر بكثير من الجمل التقريرية التي لا تحتملها القصة ، مثل : "فقد علمتنا الحياة ما لم تعلمه المدارس لنا .. الخ " ، و "شيء جميل أن يعود الانسان الى دياره القديمة" ..الخ


قصة (ذات مساء مذنب) للكاتب خليفة الزيدي:
هي من القصص التي يمتاز أسلوبها بالمباشرة ، والسرد جاء متماسكا وحاول الكاتب أن يسلط الضوء على معاناة فتاة اثر علاقة غير شرعية عبر الحديث عن معاناتها من هذه العلاقة إلى جانب التركيز على ألم المخاض ، إلى أن يتضح بأن صاحب العلاقة هو عامل المزرعة وإسمه سوريش ، عموما فكرة القصة مألوفة كما أنها طرحت بأسلوب بسيط ومباشر. كما حاول الكاتب أن يعطي القصة نوعا من التشويق والمفاجأة إلا أنه بمجرد قراءة الفقرة الثانية تنكشف الحكاية وكان من السهل توقع نهايتها. إحتوت القصة على بعض الحوارات والتي نجح الكاتب في صياغتها حيث كانت قريبة إلى المستوى الثقافي للشخوص.


قصة (لا يرونه) للكاتبة لمياء الحراصي:
فكرة القصة تكررت في الأفلام عن الأموات الذين يشاهدون الأحياء ، وعندما يموت أحدهم ينضم إليهم فيتحول هو الآخر إلى مشاهد. كل ذلك عبر سرد إمرأة ماتت وتركت زوجها وإبنتها فأصبحت موجودة بينهما دون أن يراها أحد، لكنها تصف سيرة زوجها وكيف أنه لم يبكِ بعد أن ماتت بينما جميع أحبائها بكوها حتى ظهرت أمامه وهو يقود سيارته ليضغط على المكابح بقوة فتنحرف سيارته وتصطدم بشجرة فيموت لكنه يحيا مجددا لكن هذه المرة مع الأموات الذين يرون الأحياء. إحتوت القصة على لغة عاطفية وأفكارها جاءت مرتبة وبسيطة للغاية.


قصة ( مصاص الدماء ) للكاتب قاسم اليعقوبي:
إعتمد السرد في هذه القصة على الطرح المباشر دون الاهتمام باللغة وجاءت فكرتها بسيطة، حيث أن هناك مشاهد متفرقة يحكيها السارد ويبدأها بقصته في الصحراء مع فتاة اسمها وضحى، ثم ينتقل إلى العاصمة للحديث عن فتاة أخرى اسمها شمس كما يتحدث عن حشرة بق الفراش وهي موضوع عنوان القصة، أحداث المشهدين جاءت في خط واحد ولا ترابط بينهما سوى السارد ، والحكايات الواردة في القصة تبدو ساذجة إلى حد ما وجاء سردها مرتبكا.

الجمعة، 7 سبتمبر 2007

عذابات المرأة في قصص مجموعة (رفرفة) لبشرى خلفان


يحيى سلام المنذري


تقترب الأعمال الأدبية كالرواية والقصة والشعر من القاريء حينما تلامس أحاسيسه وتثير لديه نوعا من التساؤل والتأمل المعرفي حول ما يتعلق بخصائص وموضوعات النص ، شريطة أن يكون هذا القاريء شريكا في النص ومقدرا للأدب والفن والتجديد. لأن الكتابة الأدبية والفنون بشكل أساسي تأتي للتأثير في الواقع ومحاولة طرح ما هو غير مألوف ولا يراه الإنسان العادي. والكاتب يطرح رؤيته من خلال اندماجه وتفاعله واشتراكه مع المجتمع الذي يعيشه ، وقد تأتي هذه الرؤية في عمله الأدبي أو الفني دون تخطيط مسبق نتيجة ما يشاهده ويتأمله من أحداث وعادات وشخصيات وربما أيضا تأتي بتخطيط منه ووضع خطوط رئيسية لرواية ما مثلا يحرك شخوصها في عالم جديد يبتكره وفي نفس الوقت مستلهم من الواقع ، وهذا لا يتعارض أيضا مع تسليطه الضوء على ذاته التي لا يستطيع أن ينفصل عنها ، فمهما كتب عن شخوص أخرى تتدخل ذاته بطريقة غير واعية.

وتوضيحا لمدى تفاعل الأجناس الأدبية والكاتب مع المجتمع ، لا بد من الإشارة إلى كتاب ((المجتمع العربي في القرن العشرين – بحث في تغير الأحوال والعلاقات)) للروائي وعالم الاجتماع الدكتور حليم بركات الذي وضع فصلا كاملا بالكتاب عنوانه (الثقافة الإبداعية وعلاقتها بالواقع الإجتماعي) ، حيث أشار من خلاله وضع نظرية عِلم-اجتماعية متطورة للرواية العربية وكتمثل للفنون الأخرى ، حيث وضع فرضيات أساسية لها وجرى على إثباتها بالتحليل والقراءة عن طريق تقديم أمثلة حسية للعديد من الأعمال الروائية العربية ، ومن هذه الفرضيات وجود علاقة تفاعلية بين العمل الأدبي كالرواية مضمونا وشكلا والواقع الاجتماعي التاريخي ، وكيف أن هذا العمل يؤثر في تغيير هذا الواقع من حيث الإسهام في خلق وعي جديد وتسليط الضوء على أبعاده ومكوناته الخفية. كما افترض أيضا أن الرواية هي منظور معرفي آخر وبحث في طبيعة المجتمع والإنسان كبقية الاختصاصات المعرفية ، فلا تقِل عن العلم والفلسفة دقة وعمقا واكتناها لأسرار الحياة وأقانيمها ، إضافة إلى كون الرواية بحث واكتشاف وخوض في معرفة النفس الإنسانية وتجاوز الواقع (ص686-687).

وفي هذه القراءة الانطباعية سأتناول قصص مجموعة (رفرفة) للقاصة بشرى خلفان كنموذج حاول الإشتغال على هذا الجانب ، فعند قراءتي الأولى لهذه القصص اشتعلت فيّ رغبة مواصلة القراءة حتى آخر قصة ، وحينما انتهيت من قراءتها قلت بأن ثمة أهمية تكمن فيها ، ثم وعدت نفسي بأن أعود إليها، وبعد فترة قرأتها مرة أخرى وتكشفت لدي استنتاجات عدة ومهمة على صعيد فن كتابة القصة لدى الكاتبة وكيف رصدت ثيمة مشتركة –ربما لا شعوريا- لموضوع القص لديها يمكن وصفها بِعقد قصصي يربطه خيط من هم وعذابات المرأة العربية. وحينها فرض السؤال نفسه عن أي مدى نجحت مجموعة رفرفة في تسليط الضوء على أبعاد المجتمع ومكوناته الخفية وخاصة فيما يتعلق بالمرأة ؟

تركز هذه القراءة على الموضوع الذي يربط نصوص المجموعة ببعضها ، وإذا كان العِقد يحتوي على خَرَز بلون واحد ، تأتي خرزتان أو قصتان وهما (إسطرلاب ، ص 25) و (رقص ، ص 27) تحملان لونا آخر يشذ عن بقية القصص ، فقصة إسطرلاب تحكي عن القبطان العربي والقبطان الأبيض - حسب وصف الكاتبة – اللذين اشتركا في مشروع رحلة بحر غير بريئة ، والأخرى هي قصة رقص التي تصف مشهدا لبعض الشبان في إحدى الحانات. وأما بقية القصص فإنها تشترك إلى حد ما في فكرة موضوعاتها التي تتمحور حول المرأة وعذاباتها وقسوة المجتمع العربي بعاداته القديمة وسطوة الذكورة ودور الإناث الهامشي فيه وعلاقات الرجل الشرقي بالمرأة، إضافة إلى أن الشخصيات الرئيسية في هذه القصص هي من النساء. ويبدو أن هذا الاشتغال نتج عن التحام الكاتبة بهموم مجتمعها وتأثرها بما يحمله من أحداث وعادات وخاصة فيما يتعلق بالمرأة وشؤونها. وربما يأتي هذا التدفق في الكتابة بهذا النوع عفويا وبلا شعور نتيجة الضغط الاجتماعي ، أي ليس ثمة تخطيط أو قصدية من أن يكون موضوع عذابات المرأة هي الثيمة الرئيسية في نصوص المجموعة. والجدول الآتي يؤكد على وجود هذه الثيمة من خلال بعض خصائص كل نص عدا القصتين اللتين ذكرتا أعلاه:





إذن القصص في هذه المجموعة جاءت كإعادة لصياغة الواقع المنبثق من المجتمع في عمل له خصائصه الفنية غير المباشرة والذي أيضا احتفى بلغة شعرية وتوظيف الخيال وبعض الموروثات الشعبية. نجد في قصة (هُنّ ، ص 35) رصدا لحالة نفسية لفتاة تعشق الموسيقى والرقص ، ولكن الجدران الأربعة بقيودها الاجتماعية تقف حائلا في تحقيق رغبتها الجامحة بالرقص. قلم الكاتبة خط مشهدا قصيرا للموسيقى والطبول التي تتصاعد خارج نافذة الفتاة بدون التصريح عن مصدر الموسيقى إلا ان هناك دلائل عن وجود عرس في الخارج يوقظ في الفتاة رغبتها في الرقص ، فتمارسه داخل غرفتها ، ولكنها في نفس الوقت لا تنسى تحذير أُمِها عن عدم الرقص وعلى أنه " تقليد للجواري فاقدات الحيا" ولا تنسى أيضا "عيون أخوتها الراصدة في شقوق الدار". القصة إلى جانب إشاراتها الواضحة للعادات الاجتماعية وقمعها للرغبات كرغبة الرقص هنا -حتى وإن كان داخل الغرفة- فإنها تعطي وصفا مركزا ودقيقا لتفاعل الفتاة مع الموسيقى والطبول " تنفخ الضوء في المصباح ، تخلع ملابسها فيتحد بياضُها بالظلمة ، تدخلها الموسيقى عبر المسام المتعرق ، تدق قدميها أرض غرفتها ، وتزداد قسوتُها كلما ازداد صخب الطبول ، ص 35 ".

ونلاحظ فقدان الأمان لدى المرأة في قصة (صرير الأبواب المحكمة ، ص 47) ، وهي عبارة عن رسالة تكتبها فتاة لشخص مسافر ، تُعلمه من خلالها عن أبيها الذي طرأ تغيير في حالته بعد وفاة زوجته. ورغم أن فكرة السرد عن طريق الرسالة متكررة إلا أن الكاتبة تتمكن بطريقة فنية من رصد نفسية وحالة الأب بعد فقده لزوجته ، كما أن القصة رصدت الحنين والألم والوحدة وفقد الأمان الذي تعانيه كاتبة الرسالة من حالة أبيها وفراق من تكتب له ، إذ تقول بكل حرقة للشخص الذي تخاطبه " تعرف كم هي صعبة كتابة الرسائل ، تماما كإعادة نبش قبور أهلنا الذين ماتوا والتفرس في بقاياهم ، لا تعترض ، عن ماذا سأكتب لك؟ عن وحدتي ، فراغي ، أم عن هذا الفقد المؤلم للصحبة، ص47 " إذن كمثل هذه المشاعر الحارقة وغيرها في النص تبثها كاتبة الرسالة .. تصرح عن معاناة الفقد وابتعاد الأمان ، كما أن الأبواب المحكمة ترمز إلى الأمان الذي كان يوفره لها أبوها ، فالأب كانت له عادة إغلاق جميع أبواب البيت بعد أن ينام الجميع ، حيث كان في عز استيقاظه وخوفه على أولاده ، أما الآن بعد تغير حالته وتقدمه في السن تظل الأبواب غير محكمة وتظل الفتاة كاتبة الرسالة أسيرة حزنها وقلقها بعد أن تعودت على حماية الرجل لها.

وثمة قصة جمعت في ثناياها القهر الاجتماعي وسلطة الأب وقمع الرغبات ، وهي قصة (ريا، ص56) ، وفكرة القصة معروفة وهي قضية العائلة أو الأب الذي لا يوافق ولا يرضى بأن يزوج إبنته لرجل دون مستواه الاجتماعي ، إلى جانب فكرة قمع الفتيات وحبسهن في البيوت ، ولكن الكاتبة هنا تُلبس الحكاية ثوبا تاريخيا وشاعريا مستوحى من قصص ألف ليلة وليلة. حيث استهلت كل مقطع ورد بالقصة بكلمة (يحكى أن ..) وجعلت الأب ملكا ذا سطوة جبارة ، أوليس المجتمع العربي مجتمعا ذكوريا وأبويا سلطويا؟ وابنته أميرة جميلة ذات شعر طويل والتي دائما ما كانت تبكي حتى يغلبها النوم إلى أن وقعت في غرام أحد حراس القلعة بطريقة مفبركة. إذن قصة الحب هذه مستهلكة وموضوع الانتحار في نهاية القصة أيضا مستهلك في العديد من القصص ويذكرنا بمسرحية روميو وجولييت التي أيضا ظهرت في أفلام سينمائية عديدة وبأزمان مختلفة ، إلا أنه حسب تفسيري ربما ارتأت الكاتبة هنا أن تؤكد على هذه القصة وتضمها إلى مجموعة القصص عن عذابات المرأة وقسوة المجتمع والتقاليد ، وربما أرادتها صرخة مترددة من بئر التاريخ وحتى الحاضر ، لتقول أن هذه القصة حدثت في مجتمعات مختلفة وما زالت تحدث.

وتأتي قصة (رفرفة، ص59) كصرخة أخرى ضد القهر الاجتماعي والسلطة الأبوية ، وهي قصة خولة الفتاة الصغيرة التي أطلقت سراح الحمامة من القفص الذي كان على سطح البيت لتدخل هي في قفص زواج مبكر وهي ما زالت طالبة بالمدرسة ، وكأنها عملية مقايضة غريبة لا تعلم الفتاة عنها شيئا وهي حرية الحمامة مقابل حرية الفتاة ، ولكن هذه المقايضة تحدث نتيجة رغبة الفتاة في حرية الحمامة ، ونتيجة خسارة أبيها الرهان على من يسقط أكبر عدد من الحمام مع رجل جشع ليزجها في آلام لا حصر لها. تبدأ القصة بضمير المخاطب ، ليصف السارد حركة جناحي الحمامة وهما يرفرفان نحو الحرية والهواء والطرب ، وثمة وصف لخولة ورغبتها في إطلاق سراح الحمامة وخوفها من معرفة أمها بذلك، وفجأة ينبه السارد القاريء إلى أن خولة "ستدلق كل تفاصيل الحكاية التي ترددها حتى كلت جدران البيت من الإنصات ، ص60" ليتحول السرد من ضمير المخاطب الى ضمير خولة وهي تحكي قصتها بطريقة الفلاش باك ، فمنذ ذلك اليوم وبعد أن رجعت من المدرسة وجدت أباها يقول لها "أنت اليوم عروس" لتتغير حياتها وتفقد طفولتها وصباها ، وثمة إشارة واضحة الى عادات الزواج المبكر للفتيات نتيجة أسباب اجتماعية كثيرة ومختلفة ، وأيضا ثمة رصد لحالة الفتاة الصغيرة بعد زواجها وما صاحبه من آلام وحسرة وخوف ورحيلها إلى المدينة وتحولها الى "جارية مطيعة ، أعرف كل واجباتي ولا أسأل عن شيء ، ص63" فهي أصبحت كالدمية عند الرجل لدرجة أنها تكيفت مع الوضع وأصبحت خانعة ، وأيضا " وفي الليل أهرع إلى فراشي متجنبة أصابعه التي تتوغل في أنيني فتكتمه ، ص63 " وغيرها من التصاوير الشعرية التي تتمكن من رصد عذابات هذه الفتاة الصغيرة ، والفتاة لا تنسى حمامتها الطليقة الحرة فتأتي على ذكرها بين الحين والآخر في مقاطع متفرقة ، فتقول مثلا " هل كان للحمامة خيار عندما رأت الباب مفتوحا؟ كان خروجها في حد ذاته أمنية ،...، كان كل ما فَعلتُه أني فتحت الباب ، أما هي فقد استجابت لغواية الأفق .. يا إلهي كم كان الأفق مزهوا بخفقات الأجنحة! ، ص65 ".

وختاما فإن قصص مجموعة رفرفة تحتمل الكثير من التفاسير ، وهذه القراءة العابرة أشعلت ضوءا خافتا لعوالمها وشخوصها. إلا أن ثيمة المرأة وعذاباتها تظل أساسها الذي شيدت عليه.

المصادر
د.حليم بركات ، المجتمع العربي في القرن العشرين – بحث في تغير الأحوال والعلاقات ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، الطبعة الأولى ، يوليو 2000.

بشرى خلفان ، رفرفة / قصص ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ، الطبعة الأولى ، 2004.
نشرت هذه القراءة في مجلة نزوى العدد التاسع والأربعون

الأربعاء، 23 نوفمبر 2005

قراءة فـي قصتين لـ يحيى سلام المنذري وحسين العبري

سالم آل تويه

تقول الأسطورة اليونانية: إن الأنثى والذكر كانا بجسد واحد؛ كل ذكر وأنثى فـي جسد، لذلك كان الحب يتم تلقائياً دون حاجة إلى الاتصال بجسد آخر، لكنْ جاء وقت غضبت فيه الآلهة من الإنسان وطفح بها الكيل فانتقمت منه وعاقبته بفصله إلى نصفين أحدهما أنثى والآخر ذكر. ومنذ ذلك اليوم بدأت قصة البحث: كل نصف يبحث عن نصفه الآخر.

وتصدر جمانة حداد مجموعتها الشعرية «عودة ليليت« بالتعريف التالي: «ليليت: جاء ذكرها فـي الميثولوجيات السومرية والبابلية والأشورية والكنعانية، كما فـي العهد القديم والتلمود. تروي الأسطورة أنها المرأة الأولى التي خلقها الله من التراب على غرار آدم. لكن ليليت رفضت الخضوع الأعمى للرجل وسئمت الجنة، فتمردت وهربت ورفضت العودة. آنذاك نفاها الرب إلى ظلال الأرض المقفرة، ثم خلق من ضلع آدم المرأة الثانية، حواء«.

العلاقة بين الذكر والأنثى شكلت على الدوام مقياساً لجس نبضات قلب المجتمع، لا لشيء وإنما، فقط، لمعرفة إن كان القلب حياً أم ميتاً. الخطاب الذكوري المستبد يعلك مفاهيمه البالية لأنه إن لم يفعل ذلك فماذا سيفعل؟. إنه لا يملك سوى الاجترار والترديد فالتفكير والعقل أبعد ما يكونان عن رؤوس تصر على تقديم نفسها وكأنها مجتثة من أجساد كائنات أخرى تشترك معها فـي الشراسة والاندفاع والتذرع بالفحولة مقابل مطالبة المرأة بالخنوع والاستسلام ووصفها بالعورة، والمضي فـي هذه الرؤية الاضطهادية حد إقناع المرأة نفسها وتنصيبها عدوة لذاتها!.

هذا النمط يتكرر كثيراً فـي مدن كثيرة داخلها يعيش إناث وذكور، بنات وأولاد، فتيات وفتيان، نساء ورجال... قد يلتقي بعضهم مصادفةً أو عن سابق إصرار فـي قلعة أو شارع أو مقهى لكنْ، يا ترى، كيف؟.
ماذا يحدث؟.

هذان السؤالان يثاران فـي عدد كبير من القصص القصيرة فـي عُمان دون البحث عن إجابة بالطبع بقدر ما يقوم الإبداع باستكناه أغوار المجتمع وتفكيك منظومته الظاهرة للعيان أو تلك المدفونة فـي قبر الأعراف والتقاليد والعزلة والانغلاق.

منذ الوهلة الأولى يحيلنا عنوان قصة يحيى سلام المنذري «نصفان«1 إلى الأسطورة اليونانية وحقد الآلهة على الإنسان. العنوان هنا عارٍ من الزوائد والإضافات والصفات رغم أن إحالة أخرى تولدها تلقائية التأويل والدلالة البديهية، فمفردة «نصفان« تشير مباشرة إلى ما كان كُلا واحداً ثم تعرض لفصل قسمه نصفين. وما دام هناك نصفان فإن القصة تظل ناقصة بغياب أحدهما.

نحن- كقراء- نعرف ما يعتمل فـي قلبي (النصفين) من لوعة واشتياق وحنين ورغبة وهيام وحب وعشق وجنون، أما هما فلن يعرفا ذلك إلا فـي السر- بعيداً عن هنا حيث يجلسان على طاولتين منفصلتين فـي مقهى يعج بالزبائن- وقد لا يعرفان ذلك أبداً.

النصفان- حسب سياق القصة الضمني- هما فتاة وفتى ينصاعان لنداء الفطرة الغامض الذي يسعد الناسُ بالارتماء فـي أحضانه أو التقلب فـي أتونه الملتهب.

تنبني القصة عبر سرد يتخذ ثلاثة مستويات تبدأ بسرد أحد زبائن المقهى النظراتِ المتبادلةَ بين الفتاة والفتى. يضع المشهد مكبرا أمامنا فـي لحظات متوترة: «يغوص فـي عينيها بشراهة. هي على ما يبدو قد لاحظت ذلك، حتى أصابها الارتباك... ذلك الارتباك الذي يتوارى خلف تعابير الوجه المختلفة«.

طوال السرد لا تحدث سوى الهواجس التي تتوالد وتستمر وتتحول تكهناتٍ محضةً لا أحد يدري على وجه الدقة مدى صحتها من خطئها. إنها قصة الاحتمالات وأحداثها تتأزم فـي الصمت المطبق والنظر كلغة تعزز علاقة غريبة ومبهمة ولائذة بالأسرار والخفايا.

يبدو الأمر أبسط من ذلك مثلما يبدو فـي غاية التعقيد.
المونولوج يتراكم ويفشي الدواخل التي هي خافية عن الآخر، والآخر خافٍ عن الآخر بل لا يعرفه قط. أحد زبائن المقهى/ السارد الأول يسرد لنفسه فقط- وليس لأحد آخر- ما يراه من تخاطر بين الفتاة والفتى، وفـي اللحظة التي يتوقف فيها عن إبداء المزيد من الاحتمالات حول ما سيؤول إليه مصيرهما يواصل (النصف الأول)/ الفتى السرد وكأنه يكمل رسم المشهد الصامت من زوايا أخرى: «عيناها رذاذ الصباح، منذ أن جلست على طاولتي وأنا أحدق إليهما. عيناها مذاق الحب، فوجدت نفسي خارجاً عن كل شيء«. لكن عندما ينطفئ المشهد فجأةً بعد طول تحديق: «اختفت مثل طيف يشبه قوس قزح... مثل حلم جميل قصير... هل ستأتي مرة أخرى...؟ قد أرى غيرها... لكن من منهن سوف تطلق فـي نفسي حنين سحرها...؟ من سوف يبلل قلبي الحزين بالفرح...؟«. عندما يحدث هذا يبدأ سرد الفتاة وكأن الزمن لم يصل بعد إلى هذه اللحظة: «عيناه شرستان منذ أن جلست على طاولتي وهو يحدق إلي بشراهة. عيناه تفضحاني، فوجدتني ضائعة فـي صمت وترقب مثقلين«. السرد هنا بلسان أنثى مهد لها عنوان القصة بوصفها النصف الثاني.

هناك زمن واحد تحدث فيه السرود الثلاثة لكن أي زمن- فـي الحقيقة- يتعمق عندما يتشظى ويصبح فتاتاً كي ينكسر الخط المستقيم، وبالتالي تتعدد الأزمنة فـي الوعي مستدعاة من خبرة التعامل معها.
تقدم القصة نفسها فـي أشد لحظات الإنسان انخطافاً، تمسك بحجر كبير تريد أن تلقيه على رأس المجتمع لكنها تقف ولا تلقيه. ربما أرادت تعمدت التناسي والاكتفاء بهذا الافتتان، وهيهات حدوث ذلك.
علينا معرفة ما حدث بالضبط.

يقول الراوي الأول: «... وجهها خجل وأسئلة. وجهه شراسة ومباغتة... تلك نظرات لم يقطعها إلا حينما يحدق فـي سقف المقهى. هناك غيري بالتأكيد من لاحظ أن هذين الاثنين يثيران الانتباه، خصوصاً من جانبه، ومن المؤكد أيضاً أن الاثنين لا يعرفان شعور بعضهما بعضاً. قد يعتقد أنها أُغرمت به من خلال نظرتيها، أو يعتقد أنها فقط حاولت معرفة سر نظراته المستمرة فيها. وقد تعتقد أنه هام بها، أو أنه مجرد عابث ينظر لكل النساء بنفس النظرات«.

ما سيحدث، بحذافيره، مفتوح على الأوهام والاحتمالات. قد يحدث أي شيء وكل شيء لكن فـي نطاق الخوف والسر والقلق. ما يقوله الراوي هنا يمثل وجهة نظر منفتحة ومتحررة من الحمولات الاجتماعية الجاهزة. ولعله يشير إلى علة يفرزها المجتمع ويكرس لها، أو، بمعنى آخر، يمهد الطريق إليها. العلاقة بين الرجل والمرأة- كما يطرحها النص- ليست قائمة أصلاً، وإضافة إلى كونها متوهمة فإنها لا تتحقق- إن تحققت- إلا فـي السر، ولا تصل إلى هذا المصير إلا بعد لأي وعدم معرفة. وما دام مستقبل العلاقة مرهوناً بلعبة الاحتمالات يمكننا نحن أيضاً- من موقعنا كقراء متفاعلين مع النص- أن نتكهن بأن عدم المعرفة وحده فقط يمكن أن يفضي إلى حب جارف بين اثنين لا يمتلكان أدنى معرفة عن بعضهما بعضاً، ولم يلتقيا قبلاً، ولم يتبادلا أي كلمة.

هل هي تلقائية قدرية تحرف الأمور لتذهب بها إلى علاتها على هذه الشاكلة المندفعة الحالمة المتمنية؟.. ولنتذكر أن باب الاحتمالات لا ينغلق حتى بعد انفتاح النص على أسرار فـي ظهر الغيب قد لا تعدو كونها أضغاث أوهام.

ينبغي أن تظل العلاقة سراً بين الاثنين. انكشاف السر فضيحة فـي عرف المجتمع. وما هو السر؟: إنه العلاقة بين رجل وامرأة. وما هي الفضيحة؟: إنها معرفة المجتمع لهذه العلاقة. إذن لا فرار من الأسرار لأنها تتصدى للعرف عبر الهروب منه وليس بمواجهته، فالأمر برمته خطيئة فادحة لا تغتفر، تقوض أركان المجتمع.

ياللهول: كل هذا يحدث لأن رجلا وامرأة أرادا أن يتعارفا. لا ينتهي الأمر هنا بل يتفاقم. من المدين ومن المدان؟. يالها من معضلة كبرى.

يقول «النصف الأول«/ الرجل: «أحسست أن جميع الجالسين قد فضحوا إعجابي بها«. هذا لا يحدث إلا إذا توافرت الأسباب التالية:
1- أن نظراته إلى المرأة أثارت الآخرين.
2- أن الآخرين يعنيهم الأمر ويستنكرونه ويعدونه فضيحة.

ولنا هنا ألا نكف عن طرح الاحتمال تلو الاحتمال: ترى كيف سيكون رد فعل الآخرين لو أن الرجل تمادى أبعد من ذلك؟

غموضٌ ما يجعل النصف الثاني/ المرأة محرضًا للنصف الأول/ الرجل الذي يستجيب ويستغرق فـي تفاصيل متوهمة: «لو كانت تمتلك شيئًا من الجنون لتحركت من كرسيها وتقدمت ناحية طاولتي وقالت لي: «أممكن أن أشاركك الجلوس... فأنت على ما يبدو بحاجة لي«. حينها يصيبني شيء غريب لا أعرفه يجعلني أرتبك وأبتسم... سأرد عليها وأقول: «طبعًا طبعًا بإمكانك كل شيء يا حبيبتي«. ثم يدعي أنه واعٍ لرد فعلها تجاه غرابة ما يقوله: «ستحدق إلي، ستغتبط، ستضحك بغنج، وستقول: «حبيبتك... يالك من مجنون... نحن لم نتكلم بعد«. حينها سأهز رأسي بعنف، وسأرفع يدي عاليًا، وسأتجه نحو جميع الجالسين وسأصرخ بفرح«.
بالطبع لا يحدث شيء من هذا على الإطلاق رغم أن الشاب فـي غمرة هيامه لا يستنكر إعلان فرحه أمام الجميع، أي أنه مستعد لردم الهوة التي يحفرها المجتمع.

لماذا يتحول موضوع رغبة طرفين فـي التعرف إلى بعضهما بعضًا إلى مجال للخطط ووضع الاحتمالات وكأنه يتعلق بخوض معركة وليس برجل وامرأة يمكن لأحدهما الذهاب إلى الآخر فعلاً ومصافحته والتعرف إليه؟؛ فالمسافة ليست أكثر من طاولتين وانتهى الأمر. لماذا لا يحدث ذلك؟.

لا يحدث- ربما- لأن هناك صورة وحيدة يراها المجتمع- إذا ما اجتمع رجل وامرأة- هي صورة جنسية بحتة يتم فيها لقاء جسدي. هذا اللقاء يتم فـي مكان مغلق، أي فـي السر، ولو حدث لقاء أمام الجميع فإن تلك الصورة الجنسية تسطو بتفاصيلها الشهوانية لأنها مصنوعة من قبل تفكير مريض وبدائي لا يرى فـي الأنثى سوى موضوع للرغبة فقط، ولأنه مريض فاقدٌ الأمل فـي أن يكون سويا فإنه مع الأيام يكتسب عدوانية غير طبيعية لمماراة مرضه، لذلك يحبس المرأة لأنها عورة وفتنة وبلاء. إنه لا يرى فيها أبعد من جسدها وأعضائها التناسلية، وهذه الصورة ترتسم أمام عينيه طوال الوقت فيجن جنونه ويكاد يفتك حتى بنفسه.

هذا مرض خطير جدًا.
وكي نستفز تلك العقلية المريضة نعود إلى توليد احتمال آخر تسمح به القصة: ماذا سيحدث لو أن الفتى قبل الفتاة فـي المقهى أمام جميع رواده؟. قد لا يكون هذا التكهن سوى عدمِ معرفةٍ آخر ينضاف إلى العلاقة الموتورة والناقصة بين الذكر والأنثى، لكن هل ستحدث كارثة لأجل قبلة بين شخصين؟، ولماذا؟: لأن القبلة تخدش حياء المجتمع؟.

المجتمع ليس جنة الله الموعودة. المجتمع مليء بالنفاق والعهر والقمع والبشاعة والاستغلال والفساد، وما السر إلا تجل لأمراضه يتيح له ممارستها فـي الخفاء وهو مطمئن غير خائف من الانكشاف والفضيحة.

يمكننا المضي قدماً ورسم تلك الصورة الجنسية التي لا يرى المجتمع غيرها كلما دخلت أنثى فـي مشهد مع ذكر، لكن، بالنسبة إلينا، نرى تلك الصورة فـي سياقها دون أي عقدة تذكر، كما نرى صورًا أخرى كثيرة غير تلك الصورة. ونتمنى أن تفارق أمنية النصف الثاني وهمَها وتصبح حقيقة: «جاءني النادل، كان ظريفاً، طلب مثلجات وبدأت أتلمظها ببطء وأقارن لذتها مع لذة رؤيتي عينيه. هل أكون متوهمة؟. ويلي ما الذي حدث؟ ما الذي يدور فـي رأسي..؟ ما الذي يدور فـي رأسه..؟«.

إن أحداث قصة يحيى سلام المنذري الآنفة الذكر فضاؤها مقهى- والمقهى فضاء اجتماعي أيضاً- غير مسمى يفشل فـي نهاية الأمر فـي أن يقرب بين اثنين. أما قصة حسين العبري ورغم أن أحداثها تدور فـي الشارع إلا أنها، بدايةً من عنوانها، تحدد مكان الشارع وتنفي نفيا قاطعاً: «لا يوجد مكان للحب فـي مسقط«2.

سنقول، مرةً أخرى، أنثى وذكر عوض امرأة ورجل أو فتى وفتاة؛ لأن ملامح الشخوص ليست محددة عمرياً بينما تتوطد أطروحاتها حول (الحب) بتعدد مفاهيمه. إنها شخوص غائمة، ربما، لأنها تنتهك حرمةً ما. إننا لا نعرف أكثر من أن «سيارتها تتقدم سيارتك وأنت وراءها كأي شيء«. هذا هو السطر الأول فـي القصة تغيب فيه ملامح الشخص تماماً ويصبح مبهماً غير واثق أو لا يتحدد- «كأي شيء« حتى مع نفسه بينما كان مرأى جسدين ماديين يحتل حيزا مكانيا أكبر. بلغة أخرى: مرأى السيارتين كان أوضح رغم عتامته أيضاً. لنواصل القراءة: «سيتقدم الليل بملكوته الصامت، ستطول الطرقات الإسفلتية بكآبة وأنت وراءها. نظرك معلق على خلفية سيارتها اللامعة. أنت تقرأ الأرقام للائحة الصفراء الطويلة. أنت ترى ما يفعله الزمن فـي الأشخاص، وأنت تدرك ما يفعله الزمن فيك، وها أنت تدرك أنها ستستدير إلى هذا المكان المقطوع أخيراً«. هل هو ندمٌ يخوض صراعاً مع الرغبة؟، وكأنما لا محالة من الاستمرار فـي ذرع شوارع المدينة لاكتشاف أنها المكان الوحيد للقيام بعمل واحد: البحث عن مكان يلتقي فيه رجل وامرأة. شوارع تسلم إلى شوارع ولا مكان. «السيارات من خلفكما ومن أمامكما وأنت ملتزم باللحاق بها، لن تغفل عيناك عن سيارتها، عن الماركة التي تحمل الاسم الشهير. عمود الكهرباء العشرون، عمود الكهرباء الواحد والعشرون«.

هنا إذن تبدأ قصة أخرى: قصة الزمن ورتابته وتكراره والحيرة التي تصنع العبث: «سوف يعذبك الوقت والانتظار، وسيعذبك أنها لن تجد المكان الملائم، لكنك تتساءل داخلك: المكان الملائم لماذا؟ إنك لا تعرف بالتأكيد ما الذي يمكن أن تفعله معها، أنت لا تعرف شيئا«. وقبل هذا شيءٌ غريبٌ يحدث ويستمر مقرونا بالمكان المبحوث عنه: «ها هي الآن تصل إلى نهاية الجرف، سوف تقول بتعال- كما قالت من قبل- إن هذا المكان غير متشح بالمجد، وسترجع بسيارتها للوراء وأنت وراءها«. هكذا يصير وجود المكان مستحيلاً، وفقط يتواتر الزمن تباعاً ليلتف على نفسه أو يمضى أكثر رتابةً بلا نهاية.

فراغ شاسع يعيشه الرجل وهو يتبع بسيارته سيارة المرأة. يمتلئ الفراغ بفراغات أخرى دون حسم للعبة أو وضع نهاية لها. إلى متى سيستمر الرواح والمجيء فـي الشوارع بحثا عن مكان صالح للحب؟.

السيارتان يمكن أن تمثلا رمزاً مكانياً صغيراً واقياً من أعين المجتمع. هذا المكان الصغير يتحرك فـي مكان أوسع ومكشوف متمثلاً فـي شوارع المدينة، ما يعني انكشافاً جزئياً على الأقل لا يمنح متسعاً للحب، أي لاجتماع الاثنين فـي مكان خاص دون رقابة أو فضح. يسطو الزمن على الرجل ويحس بفرط حضوره وعنفه ورتابته وإقلاقه ومضيه بلا جدوى: «وأنت مفعمٌ بالرغبة« التي لا تتحقق ويشحنها مضي الزمن بالفتور وفقدان مخرج نفسي ينتشل الشخصية من الاستمرار فـي لعبة خاسرة.
الرغبةُ موضوعٌ محلومٌ به يقوم بتأجيل الانسحاب من مشكلة البحث عن مكان، والزمن يثير أسئلة المكان حين يمر ثقيلاً وقاسياً. لا ننسى طوال القصة حضور عنوانها ليس كخلفية بل خلاصة منتهى من أمرها. نعرف معاناة الرجل مع وطأة الزمن والتحولات المحبطة التي يفعلها فيه، أما المرأة فمن خلال شعور الرجل تجاهها نعرف أنها الأقوى والمسيطرة فضلاً عن أنها هي من تقود الرجل؛ فهذا يتبعها بسيارته، وكما لو أن الاثنين يطاردان الزمن بوسيلة مهما كانت مسرعة تبقى دائرةً فـي نطاق الزمن وتحت هيمنته مع أن تعامل المرأة معه- الزمن- ليس واضحا. يضيق الرجل ذرعاً بالزمن لكن الرغبة- التي هي الشهوة بمعنى آخر- تفسح المجال- كل مرة- للتخفيف من وطأته ظناً أن الهدف سيتحقق ويتوفر المكان لممارسة الحب.

الزمن لحوحٌ والرغبة أشد إلحاحاً: «... لن تحاول أن توقفها بعناد، أو أن تتجاوزها بقسوة، أن تقول لها: لا، بإمعان، أو تقول لها سنقف هنا بكلمة ثاقبة. أو تقول: سوف نفعل الحب أو أي شيء تريدين هنا، بلا مواربة«. إنه يعرف سلفاً أنه لن يقدم على وضع حد للمسألة، ولا حتى مجرد أن يحاول ذلك، أي أنه يستمرئ فـي تعذيب نفسه ويقرر مواصلة البحث عن المكان، ويجد الأعذار رغم قناعته بعدم الجدوى، الأمر الذي يعني ضمنياً اختلاقه لأمل سيؤدي أخيراً إلى إيجاد مكان للحب، وهذا بدوره يعني تعزية الذات: «لن يطاوعك قلبك، قلبك الفضولي، قلبك المجنون، قلبك الباحث«. الرغبة، إذن، متمكنة ومتملكة وفـي سبيلها حتى الزمن يمكن أن يحتمل: «تبتعد التلال فـي المرآة الأمامية، وتتلاشى سداب والبستان ومطرح فـي المرآتين الجانبيتين، والعجلات ما زالت تدور، وأنت عبدٌ للائحة الصفراء الطويلة«.

هنا تجرف الرغبةُ الرجلَ وتحوله عبداً خاضعاً لها. وهنا تتشكل جغرافيا أخرى للمكان ترسمها القصة وتحول ثوابتها المعروفة إلى مكان يحارب الحب خوفاً منه أو قمعاً له، فلا شك أننا لن نصدق أبداً قصة عدم وجود مكان يختلي فيه ذكر وأنثى، لكنْ، قبل هذا، ينطرح سؤال أعمق قد يكون طرحُه فـي مكان آخر أدعى للسخْرِيَةِ والضحِكِ: لماذا لم تجد شخصيتا القصة (الذكر والأنثى) مكاناً يسمح لهما بفعل الحب؟!.

الآن سنسوق تباعاً لازمةً تتكرر، فـي ثنايا القصة، بين فقرات متباعدة يحرض سردَها العبثُ المحضُ للزمن:
«أعمدة الكهرباء المطلة من علً، الأول، الثاني، الثالث، وهي تسرع وأنت تحاول اللحاق بها«.
«عمود الكهرباء العشرون، عمود الكهرباء الواحد والعشرون«.
«العمود المائة والواحد والعشرون«.
«العمود المائتان، العمود المائتان والواحد«.
«العمود الثلاثمائة والاثنان والثلاثون، العمود الثلاثمائة والثلاثة والثلاثون...«.
هنا تنتهي القصة لكنها، فـي الحقيقة، لا تنتهي.
إنها قصةٌ قد تستغرق الزمن كله ولا تعثر على مكان للحب؛ لأنه لا يوجد فـي مسقط!. :)

عن ملحق شرفات
________________________________________

الأحد، 9 مايو 1999

رواية "الطواف حيث الجمر" لبدرية الشحي..الطيران بلا توقف نحو المجهول

يحيى سلام المنذري

ظننت أن موضوع الكتابة لدى بدرية الشحي مجرد هاجس تلاشى مع مرور الأيام ، بعد أن نشرت الكثير من القصص القصيرة في الصحف والمجلات المحلية قبل عشرة أعوام تقريبا .. ولكنها كسرت صمتها - ربما كان صمتا للمراجعة والتأمل - لتعلن أن هناك صوتا ينبض بقوة في الحركة الابداعية العمانية توجته بكل جرأة من خلال نشرها لروايتها الأولى (الطواف حيث الجمر)، والتي تعتبر الأولى كقلم نسائي عماني ، ومن الاصدارات المهمة التي سوف تثير نقاشا وجدلا، ومن يدري لعلها أول الغيث .
سطور الرواية مفعمة بجمرات التسلط والتمرد والتوق للتحرر من جميع القيود الاجتماعية ، نداء وعويل ضد عادات وتقاليد مازال بعضها يترسخ بقوة في العقول .. ولكن الى أي مدى ترمي الكاتبة هذه الجمرات ؟ ربما تحيلنا هذه التجربة البديعة لكتابات مشابهة في العالم العربي بأقلام كاتبات كان لهن دور في إبراز قضايا تخصهن بالتحديد مثل موضوع قهر المرأة وتسلط الرجل عليها مع قضايا أخرى في المجتمع، ولكن هذه المرة في بيئة عمانية تمتد حتى السواحل الافريقية في قصصها. الا يذكرنا موضوع التحرر هذا بكتاب مذكرات أميرة عربية للسيدة سالمة ؟ ومع اختلاف خيط الابداع في العملين ، إلا أنهما يطرحان موضوعا واحدا شائكا ومقلقا جدا، يحتاج لرؤية ثاقبة ، وامكانيات فنية للطرح والصياغة . وحينما تفاعت كاتبة رواية (الطواف ) مع مجتمعها وبيئتها تسلحت بكل ذلك ، الى جانب وعيها الذي أدرك ضرورة كتابة عمل جريء وقريب من الاتقان كالذي بين أيدينا الآن ، هي مغامرة كتابة جديرة بتكوين صدى وتفجير تسآؤلات .
زمن أحداث الرواية تصاعدي ويمشي في خيط واحد على لسان بطلة الرواية (زهرة ) التي كانت متأججة منذ البداية بروح القص الجميل ، ويروح التمرد والتحرر من القيود التي كبلتها منذ الولادة ، فزرعت في قلبها التساؤلات وعدم السقوط في الذل مهما كانت العواقب ، وتحت وطأة كل تلك القيود قررت الهروب من نار الأهل وعاداتهم المتناقضة الثقيلة الى جحيم آخر مجهول ، تجبرنا الراوية على متابعته بشغف حتى النهاية ، وهي نقطة التشويق التي نجحت فيها الكاتبة .
الهروب والانسلاخ من العبودية ، دلالات تطرحها الرواية في قصة زهرة وتمردها على أهلها وعلى آخرين في السفينة التي تهربها الى افريقيا، لذا نجدها ساخطة وحاقدة عل الرجال لما يمتلكون من قوة وتسلط بمساعدة المجتمع، ولكن زهرة تحاول أيضا الى جانب حقدها إذلالهم إذ لا ضير أن تدوسهم بأقدامها إن سنحت لها الفرصة .. "سعيدة أنا أن أجد هناك واحدا على الأقل مستعدا لتخطي حاجز الفوقية من أجلي ، واحدا استطيع أن أدوسه بقدمي، أذله فيسقط أمامي صريعا دون شكوى أو تذمر يذكر.." ص 130، ولكن كل ذلك سوف يكون بعد التحرر من العادات التي تقيدها ووقوعها بعد ذلك في دور المتسلط والسيد، وهو الدور الذي تكرهه في الرجال .
ولكن هل وجدت زهرة ما تتمناه أم أن قرار الفرار أذبلها وجعل الندم يدب في عروقها .. أم أنها انتصرت ونالت مبتغاها؟ في بدايات الهروب ورد تصوير بديع على لسان زهرة للتحرر من البرقع الذي زامنها منذ الصغر مع تذكرها لبعض معاناة الطفولة .. "أحب هذه الحياة ، أحب أن أعيش فقط أطير بلا توقف ، أحلق وأرى الكون بأسره تحتي، وأنا للمرة الأولى والأخيرة فوق ، لا يمسكني شيء ولا تتعب أجنحتي ، وهكذا كما وعدت نفسي وأمام عيني سلطان نافد الصبر دونما ترده أو تأخير، أمسكت ببرقعي ونزعته عني وبسرعة رهيبة رميته بالبحر، لم ألتفت اليه ولا إلى أولئك الحمقي المتناقضين . كان ما يشد نظري أكثر ذلك البرقع الذليل ، الذي كنت أراه يلوح مستنجدا ،رأيت وقتها طفلة تعدو، يجرجرها أبوها على شوك السدر، كانت تصرخ مستنجدة أيضا، وكانت مصدومة يقتلها الخوف .." ص114 ، اليست هي متعة التحرر وثم التحسر على أيام مضت ذاقت فيها الذل والتفرقة العنصرية .. كل هذا يختلط في القصة ويتماوج مع تأملات زهرة التي تقترب من الشاعرية ، وامنياتها وأحلامها الى بلاد تتجاهل العرق واللون والأصل والجنس .. "كل ما بغيت أن تحملني موجة بيضاء الى أرض تتجاهل أنوثتي وتعاملني بنقاء وحب ، تتجاهل عرقي ولوني وأصلي وجنسي".. ص140، كما أنها تمنت أن تكون صبيا لدرجة منزلته الرفيعة في المجتمع ، إنه الاحساس بالوضاعة والذل .. "ألم أتمن دائما أن أكون صبيا بين طرفة عين وأخري" ص127، نجد أن زهرة ألبست شخصية قوية حاولت مقارعة الشر بالشر، وحينما يتاح لها أن تكون سيدة تأمر وتنهى ، تنسى التحرر تجاه الحب والانسانية والحلم بعالم خال من التفرقة العنصرية ، وتجد أن الكاتبة توقعها في مطب التسيد ودور الجلاد والخبث وحب المال ، مصورة بذلك نفسية زهرة الحاقدة في قصة غريبة بدايتها أحداث السفينة ، ثم المزرعة الافريقية التي سلبتها ، وكونت منها عالما خاصا بها تجلد فيه عبيدها باوامرها الساخطة ، فهل ذلك يعود للفطرة أم الانتقام من الرجال أم وراثة التسيد أم أنه نتاج الحقد ؟
أحداث الرواية تتباين بين التطويل في بعض المشاهد والسرعة في بعضها ، يشوبها بعض العثرات اللغوية والأخطاء المطبعية الكثيرة ، وبنيانها متماسك، يهزه في بعض الأحيان بعض التناقضات الطفيفة .. مثلا : كيف يسمح صالح بعد أن تزوج من زهرة بدخول سلطان المريض الى قمرتها كي تعتني به وهو الذي حقد عليه لدرجة الوشاية به ، ألم يكن في السفينة سوى تلك القمرة ، أليس هناك من أحد غير زهرة يعتني به ؟ هل هي صنعة الحدث تلك التي ولدت هذه الفكرة المتناقضة ؟ ولكن هذا المثال لا يقدر على هدم هذا البنيان لأنه نتاج جيد واضح ولأنه نزف بتلم موهوب امتلك الصبر لمثل هذه الكتابة ربما سنوات .
اذا كان القاريء قد صدم بعدم وجود الصفحة الأخيرة في هذه الرواية وتألم لأنه لم يشبع نهمه من قراءة نهاية الرواية ، فكيف يكون موقف الكاتب الذي نزف كتابة وألما وعصارة جهد أياما وشهورا وسنوات ، ويرى كتابه مطبوعا تنقصه صفحة ويباع في المعارض والمكتبات كيف تسمح دار نشر مشهورة -ويثق فيها معظم الكتاب- بذلك .. هل بدأت جديتها في الاصدار تتناقص بعد أن نشرت لكثير من الكتاب البارزين على مدى سنوات ؟
إذن هكذا قرأت كل الرواية ما عدا نهايتها فقد ابتلعتها مطابع دار النشر؟
الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر- بيروت 1999م
نشرت القراءة في مجلة نزوى العدد التاسع عشر

الجمعة، 3 يوليو 1998

مجموعة اللون البني .. عين القاص في رحلة الرصد

يحيى سلام المنذري

في رحلته عبر (اللون البني) اصطاد القاص محمود الرحبي مشاهد تفصيلية - الى حد ما - لكائنات حية وغير حية واجواء واماكن هزته من اعماقه، فكان ان ترصدها منذ زمن. وبدأ ينسج خيوطها بهدوء العارف، وبتقنية الفنان، الى ان انجز رحلته / مجموعته الأولى هذه على ارض مقسمة الى ثلاث مناطق مكتظة بالكائنات المختلفة والفانتازيا، وجميعها التقطت اما عن طريق عينيه وذهنه محتفظا بجميع المشاهد المؤثرة، أو عدسة مجهره الفنية التي تكبر الاشياء والمشاهد أو كاميرته التي تلتقط (مثلا) صورة تركز على شخص معين ألا أنها أيضا تحتوي على جميع الأشياء من حوله.

من هنا ينوع القاص محمود الرحبي مواضيع الرصد لديه من مشاهد وانفعالات تتراوح بين التلقائية والصنعة الفنية، والمشهد لديه حالة تجر وراءها حالات كقصة (عين الذبابة.. ص 21). أو يكون المشهد حالة مكثفة مختزلة تنم عن سلسلة من التساؤلات كقصة (حضيض.. ص 29)، وثمة قصص تولدت من تفاعل الكاتب مع الكائنات المختلفة من حوله، وعلى سبيل المثال قصة بعنوان (سقف العرين.. ص 43) التي تلتقي في موضوعها مع قصة (ركلات متوالية.. ص 45)، إذ في القصة الأولى السارد يستخدم أفعال الأمر كثيرا فيوجه نفسه أن ينزل الى الشارع بعد أن يخرج من البيت ويتعامل كفنان مع الأشياء الأخرى الى أن يأمر قدميه على الطيران ويعود لبيته ويصرخ من أثر كل شيء شاهده وتفاعل معه، والقصة الثانية يستفيق البطل ويخرج من البيت ليتفاعل مع كائنات الصباح وبعدها يعود الى البيت، اذن القصتان لهما بداية واحدة ونهاية واحدة وهما قابلتان لدمج.

وهناك قصص يركز القاص على استخدام عدسة مجهره بشكل واضح لتكبير التفاعلات، مثلا في قصة (وجه.. ص 49) ذكر فيها معظم التفاصيل الخارجية للجسد. وهي على الترتيب حسبما وردت في القصة: (الديدان /الخدان /الفخذان / الاكف / الاظافر / الانف / الوجنتان / الرقبة / حلقة الاذن / رأس الذقن / الابهام / الحلق / الرأس / العينان / الشعر). وجميعها كانت تحت المجهر أطلق عليها القاص تفاعلات كيميائية فكانت كائنات تتألم، ولتفاعلاتها رواسب حارقة لدى من يملكها.

اما عن استخدام القاص لتقنية الكاميرا فهو واضح في قصة (ملهيات الضجر.. ص 51) حيث تتحول عيناه (وهو جالس على عرشه الخاص فوق سطح البيت) الى كاميرا تصور الاشياء من ثلاثة اتجاهات، يبدؤها من الأسفل فيرصد ما تحت السطح في لقطات بارعة، مثل: (رؤوسا بشرية تلاطم بعضها بعفو سريع الحركة كأنما شيء يركلهم من الخلف كل باتجاه وظيفته.. ص 51)(السيارات وهي تتعارك بالمزامير والغبار.. ص 51)، أما الاتجاه الثاني هو الوضع المستقيم للكاميرا (أي بين الأسفل والأعلى) فيصور الأشياء التي تقابل سطح البيت مثل (طوابير البنايات المتراصة مثل أسنان كبيرة.. ص 52)، ثم ينقل كاميرته الى الأعلى حيث السماء وفقاعات السحب، لتستيقظ ذاكرته عن الطفولة والقرية حتى ينزل من السلالم ويجد نفس (التفاصيل كانت تحوم تحت عرشه الخشبي).

***

وهذه قراءة سريعة لقصص القسم الأول من المجموعة، وهي تسع قصص، التي من بينها خمس قصص ضجت بحشد من الحيوانات والحشرات، فكانت معركتهم مع البشر وخصوصا المسنين منهم في مشاهد ممتعة، مثل (دجاجة، ديك، قط، بطة، ماعز، فراشة، ذبابة،، الخ)وفي المقابل (عجوز وحيدة، رجل مسن، فتاة، طفل..الخ)، وهذه القصص هي: (ظل الريش، قمر السكران، مشهد الفجر، عين الذبابة، وأفعى الغروب).

1- ظل الريش.. ص 9

بداية القصة حب بين عجوز ودجاجتها، وحب بين الدجاجة والديك صاحب الرجل المسن جار العجوز، ولكن النهاية سيمفونية حزينة سببها قط متوحش يستخدم أنيابه لينهش الديك المربوط وبالتالي تموت الدجاجة من الحزن عليه، إذن سبب هلاك الدجاجة وحبيبها هو الحب وحب التملك من جهة العجوز ناحية دجاجتها، القصة تحاول ان تقول انه رغم الحب القابع في القلوب -الحب الخفي – إلا أن البيئة وتقاليدها كفيلة بالقضاء عليه، فالعجوز تعيش وحيدة مع دجاجتها فاتخذتها رفيقة حميمة لدرجة أنها تغار عليها حتى من الأطفال ومن حبيبها الديك، مما يبعث في الدجاجة الخوف والحزن، (لكن الدجاجة تطل من الشرفة المشبكة وتراقب حركات الضيوف وحلقها يخفق من الخوف).. ص 9، والجدار الطيني في القمة كأنه الحاجز الذي يولد الألم والمتعة في نفس الوقت لجميع أبطال القصة، فهو يفصل الدجاجة عن حبيبها الديك، اما العجوز فاتخذته وسيلة استمتاع بالتفرج على تحركات المسن ثم يكون الثقب في ذلك الجدار وسيلة محادثة وتبادل المرح بينها وبين الرجل المسن، اذن هذا الحاجز أليس هو المجتمع المنغلق الذي يحاول أهله البحث عن مساحة ولو كانت ضئيلة كثقب صغير واستغلاله - ولو كان في السر - نحو البوح والمتعة وكشف العواطف الخامدة، إنه الحاجز المر الذي كان سببا في قدوم القط المتوحش الجائع وانقضاضه على الحب.

2- قمر السكران.. ص 12

كأنما نحن أمام مشهد سينمائي عذب أبطاله قمر وبركة وماء وبطة، ثم زائروا البركة يتوافدون ليرسموا دوائر صغيرة وكبيرة ويذهبوا، القمر يحرس بركة الماء من فوق ويمدها بالألوان وكذلك الزائرون، والبطة في بطن البركة ماكثة كأنه محيطها الذي لا تتنازل عنه وفي نفس الوقت ترحب بالمارين، القصة تصور محيطا هادئا، تلعب فيه موسيقى ماء البركة دورا كبيرا، لوحة من الدوائر والكائنات، قطرات عذبة تلطف ذهن القاريء، تحفزه على التأمل لهذا المشهد الشاعري الذي يدور في أحداث سريعة تشبه الحلم، فهل يريد الكاتب أن يقول أن الكل يتجه ناحية الجمال إلا أنه يظل ماكثا في المخيلة مثل مقطع شعري حفظ ذات يوم، ويتبين من خلال هذه القصة مدى حرص الكاتب على بوح ما حفظته مخيلته من مشاهد أعجب بها وتأثر، بوح على طريقته.

3- مشهد الفجر... ص 17

الديك بطل لمشهد الفجر دائما، فهو يصدح في الأعالي فيصطدم صوته مع أصوات أقرانه في الفضاء، إن مشهد الفجر والديك رصد آخر للكاتب وضح فيه انفعالات الديك، إنها عين الكاتب تجذب ما يمكن الكتابة عنه في حالة تفاعله معه.

4- عين الذبابة. ص 21

السارد يتلبس ذبابة أو يجري وراءها متابعا تحركاتها السريعة بين الناس والأشياء، رصد آخر متقن، عين الذبابة هي عين الكاتب، وبالاحرى هناك عينان، عين ترصد تحركات الذبابة ومشوارها وانفعالاتها، وعين أخرى ترصد تحركات الناس والأشياء كالرجل المسن والشاحنة والاطفال والدجاجة وغير ذلك، ومن خلال قصة الذبابة تتوالد قصص اخرى مشوار الذبابة هو الذي يجرنا إليها وتكون هي الرابط بينها، فهي تنتقل من مكان الى مكان ومن مشهد الى مشهد (تقفز الذبابة في جهة المرأة، وتنزلق في دائرة أذنيها) وبعد ذلك.. (تحط الذبابة فوق كتف المسن) الى آخر هذه الانتقالات، وهكذا تظل تنتقل من كائن الى آخر أو من قصة الى أخرى ناسجة بذلك خيوط الربط ، الذبابة كائن يكاد لا يرى، كائن مهمش يداس بالاقدام ويقتل بأصغر وأضعف آلة يمتلكها الانسان، ولكنه له القدرة على أن يخترق بجسده وعينيه كل المنافذ، أن يكشف كل الأسرار البيوتية وغيرها، وكأنما هي كاميرا خفية ترصد ما يمكن رصده، ولكن مصيره هو الموت حينما يكتشف، الذبابة تظل كائنا ممقوتا من المجتمع والبشرية للأسباب المعروفة لدى الجميع، وهكذا كان مصير ذبابة محمود الرحبي هو الموت. أن هذه القصة قابلة للامتداد ونسج قصص كثيرة حولها من خلال رحلة الذبابة واختراقها الاماكن، بمعنى أن القصة قابلة لمشروع رواية، أوليست عين الذبابة في هذا القصة هي عين الكاتب التي ترصد المشاهد؟ وفي هذه القصة تصاوير طريفة، مثل (فوق الممر يهتز كف رجل مسن، مسن وأعرج، تسقط الذبابة فوق ذلك الكتف، المسن والذبابة يمشيان كصديقين شاخصين في الهواء). ص 21. (تحلق الذبابة فوق فتحة الكيس وتنظر، تتوامض ألوان خفيفة في داخل الكيس، ترفع الذبابة جسدها قليلا وتهوى نحو فتحة الكيس..) ص 22.

5-أفعى الغروب.. ص 25

الحيوانات في هذه القصة لم يكن لها دور اساسي، وفي القصة رسالة إنذار للبشرية، هذا الانذار يواجهه الناس بالخوف والرفض والتعنت، فتتم إبادة موصله او ناشره ولا يعرف له أثر.

كانت تلك القصص الخمس في القسم الأول من المجموعة التي اكتظت بالحيوانات والمسنين وبقت أربع قصص.. وهي:الحب الأول، مشهد الغيمة، دموع الحلاقة، حضيض":

1-الحب الأول.. ص 11

الطفل في التاسعة من عمره يحب عجوزا وحيدة، لماذا ؟ ما أسباب هذا الحب؟ القصة بسرعة أحداثها لم تصرح عن إجابة لهذا التساؤل، هو يحبها حتى الجنون، كيف تشكل هذا الحب؟ لدرجة أن والديه يحبسانه طويلا في غرفة كمن اقترف جريمة، إضافة الى أنهما سمحا له بعد أن ماتت العجوز بالخروج وراء جنازتها وبعد ذلك ظل هو يتسلل الى قبرها لزيارته ثمة فجوة في هذه القصة وكأنها – أي القصة – لم تستكمل أو قطع جزء مهم منها، فمشاعر الطفل واضحة وظاهرة، ولكن ما سبب تعلقه بالعجوز بهذه الدرجة من الجنون ؟؟ ما هو نوع هذا الحب؟ أين ملامح العجوز، ماذا عن عاطفتها تجاه الطفل؟ ما دورها في القصة مع أنها تشكل صلب موضوعها، هل قصد من العجوز الوحيدة الوطن أو الأرض المسنة التي سوف تموت لاحقا وتتلاشى، وأطفالها فيما بعد يمشون في جنازتها ويتحسرون عليها؟ هذا مجرد سؤال لا يشبع أي تفسير.

2- مشهد الغيمة.. ص 19

مشهد قصير جدا لرجل عجوز يحدق ناحية فتاة، دون التوغل الى مكامن الرجل العجوز ونظراته تلك، كأنما هي نظرات عابرة بلا أهمية،مثل أي نظرة يطلق عنانها تجاه أي شيء، نظرة دون روح، حتى نظرته للغيمة لم تكن عميقة أو لها دلالة.

في القصة تصوير بديع لعلاقة الفتاة مع شالها الاحمر يجب الاشارة اليه: (الفتاة ترفع الشال، تسيل منه خيوط ماء طويلة، تنهمر الخيوط عندما تلوي الفتاة الشال بين يدها بقوة، ثم تفتحه فيهيج مرفرفا باتجاه الغرب.. ص 19).

3-دموع الحلاقة.. ص 27

السارد هنا رهيف القلب، تأثر كثيرا لمشهد الحلاق. الهندي البعيد عن أمه، فصور ان دمعة الحلاق تسقط في خد السارد قاذفا فيه الحزن أو يعيره دموعا للحظات حتى يشاركه الموقف بينما كان يستمع لشريط أمه ويقوم بالحلاقة له في نفس الوقت. (كانت تسقط فوق خدي أنا المنبسط برخاوة أسفل وقفته الغائمة.. ص 27) المشهد لا يخلو من تكثيف شعري مختزل قد يدمع له القاريء أيضا وقد يتذكر الحلاقين أو أي شيء يتعلق بالغربة والحنين، ان هذا التأثير القصة التي تقتنص مشاهد قد تؤثر من يقرأها وتحقنه برعشة الكتابة.

4- حضيض.. ص 29

حسب تفسيري أن هذه القصة تفضح قسوة المجتمع وما يتبناه من عادات مطبوعة قي قلوب أهله كالتفرقة العنصرية مثلا، تصل الى وحشية لا نتبه لها إلا الفنان الذي يترصد مثل هذا المشهد القصير المليء بخصائص كثيرة، مشهد مكثف وقصير جدا لكنه يضرب في الصميم.

وأخيرا فإن المجموعة تثير أسئلة شتى، إن كان القاص قد حاول أن تكون جميع مشاهده بنية اللون؟ فجاء العنوان مفتوحا، على القاريء أن يبحث له عن دلالات وتفاسير من خلال قصص المجموعة، فهل هناك خيوط بنية اللون؟ هل طفح الطين خارج المشاهد أو داخلها؟ أو تصاعدت جبال قاحلة؟ أم أن الأرض مقسمة الى ثلاث مناطق هي بالأساس بنية اللون، لون التراب، لون ناسها وحيواناتها، طباعهم وسلوكياتهم لا تنم الا عن مناخ هذا اللون الطاغي على بيئة الكاتب ولنا أن نزيد من حرارة السؤال، أين هو اللون البني؟
نشرت القراءة في مجلة نزوى العدد الخامس عشر

الأربعاء، 3 أبريل 1996

خبايا المغامرة

يحيى سلام المنذري
الكتاب : وحده يستمع الى كونشرتو الكيمياء
المؤلف: شريف الشافعي

في هذه النصوص يعرض الشاعر حرية التجريب التي تأبى أن تؤسر بالافتعال، كما أن كائناته المختلفة والمتناقضة تتكاثر وتهرب بعيدا عن بعضها بعضا، تجر خلفها غموضها نحو عروض خيالية تتأرجح بين البساطة وبين التعقيد.

(مرة أخرى تنتفخ إفرازاتي المطاطية، كالبالونات الملونة الجميلة، أو كالأكياس الدهنية الخبيثة - لا أدري فقط أتذكر أنها طارت بي عبر بوابات مرمرية شتى. ذلك حينما طردتني جاذبية الأرض، وغطت النعامة الخائفة (أو الخائنة) وجهها في السماء).. ص 23، قصيدة "بيانو.. ذو مشعر طويل في الصحراء ".

المصطلحات الكيميائية التي أبرزها الشاعر في نصوصه لم تأت إلا من نية مسبقة ومخطط لها على ما يبدو لتقريب ومزج المعاني وتساؤلات الحياة من بعضها، ومحاولة إدراجها ضمن نفس الصيغة القانونية المتبعة في الخلطات الكيميائية سواء تلك التي نتائجها نافعة أو تلك التي نتائجها ضارة، وجميعها في الغالب ناتج من تجارب ومحاولات للوصول الى شيء مبتكر، فهل هذا ما اتبعه الشاعر في هذه النصوص المركبة ؟!

(أحاول أن استقطب يدك اليمنى، وأن أخلطها بكالسيوم محبتي، بينما أنت - بردائك الأزرق - تقتحمين زرقة الكربون، حاملة راية زرقاء.. وممسكة بذراع دمعتي).. ص 55، قصيدة "ديالوج التينور والكونترالتو".

والشاعرية هنا لا تخلو من مغامرة الدخول في أسر اللفة وسحرها.. وشيئا فشيئا يحاول الشاعر أن لا تتغلب اللغة المعقدة على صياغته الفنية، فينجح في السيطرة عليها كي تتولد لديه تصاوير شعرية مدهشة قادرة على أسرنا في خباياها وعوا لمها، فنظل نطرح الأسئلة حولها، تلك الأسئلة التي تخصب من لذة قراءتنا لهذه النصوص، خصوصا وقت أن يأخذنا الشاعر على بساط كتابه ناحية ساحة شعريته الصاخبة والهادئة أحيانا، التي يمزج فيها (بشكل تركيبة كيميائية) بين الشكل الشعري الكلاسيكي والشكل الشعري الحديث مضافا اليهما الفن القصصي، ليجرنا بذلك معا في مغامرة تشعرنا أنها تلبسته واستحوذت على شعريته غير المستقرة والطامحة في كسر الحواجز الفنية في الكتابة ومحاولة تشكيلها عبر صياغة جديدة ومتمردة.

( ساحر،

يأوي الى جفني..

لالخفاش،

يطفىء شعلة الدمع المؤرجح،

والعذاب البرتقالي المقطر،

حركي وجع الحقيبة،

كي تحركني الحقيبة..

نحو هاوية)

ص. 38، قصيدة "ديالوج التينور والكونترالتو"..

(ذاك هو الكابوس، قد حطني

في شفق الحظ، وفي نحسه

في فمي الماء.. وما ذقته

نصف مذاق الماء في كأسه)

ص 25. "قصيدة.. بيانو.. ذو شعر طويل في الصحراء

وتبقى الإشارة أن الكتاب ضم ثلاث قصائد طويلة. الأولى بعنوان (بيانو... ذو شعر طويل في الصحراء) وهو عنوان للوحة الفنان العالمي سلفادور دالي، والثانية بعنوان (ديالوج التينور والكونترالتو) والأخيرة بعنوان (لا مقامية)، أما لوحة الغلاف للفنان سلفادور دالي وكانت بعنوان (نافورة محبة للجثث.. تخرج من بيانو له ذيل). وقد صدر للشاعر قبل هذا الديوان (بينهما.. يصدأ الوقت لم عن كتاب إيقاعات الابداعي، وله تحت الطبع ديران ثالث بعنوان (الالوان ترتعد بشراهة)

وقيما يلي مقتطف مما ورد في الغلاف الأخير من الكتاب :

(هذه قصائد تنتمي الى ما يمكن تسميته "هندسة العمل الفني" تلك الطريقة التي تنهض في أساسها على "منطقية التركيب " لا الاختيار الجاهز وتعلي من شأن "تصنيع الأجزاء" على "اكتشافها" في الحقيقة، هذا شاعر لا يمتلك كاميرا تعينه على الالتقاط ولكنه "رسام" يستعيض عن "أطر" العين "ببراح" ما يرده الذهن أحيانا، وما لا يرده أكثر الأحيان).
نشرت القراءة في مجلة نزوى العدد السادس