الخميس، 11 يونيو 2009

سر الورقة

يحيى سلام المنذري

أمسك الشيك جيدا ثم سرعان ما أدخله في الجيب الثاني للدشداشة بعد أن تأكد أنه ليس الجيب الممزق. الموظف الذي سلمه الشيك لمح سعادة تتطاير من ذلك الوجه الغامض والمغطى بتاريخ حزين. ومن فرحته كاد أن يصدم الباب الزجاجي إذ حسبه ممرا مفتوحا لولا رؤيته لشبح يشبهه داخل متاهات الزجاج ، توقف وأدار برأسه إلى الخلف ليشاهد ردة فعل الموظف ، ولكن لم يجده.

نزل السلالم بسرعة فائقة .. تخيل شخصا يننظره تحت البناية ويقوم بخطف الشيك ويمزقه. وحينما وصل عند باب البناية ذات العشرة طوابق لم يجد ذلك الشخص ، فتنفس الصعداء وعب هواء نقيا ، ثم نظر إلى السماء ورأى فيها ابتسامات وضياء سعادة لم يألفها من قبل .. أخرج الشيك وحدق طويلا في ألوانه الزاهية وحروفه وأرقامه السحرية التي لا يعرف كيف يفسرها .. والتي حتما ستتحول إلى أوراق نقدية. مشى طويلا حتى ابتعد عن تلك البناية ، أخذ يفكـر .. ماذا يفعل الآن ذلك الموظف وأين اختفى ، هل ما زال داخل البناية ويزود بعض الناس بأوراق صغيرة ستتحول لاحقا إلى نقود؟ مشى بعيدا .. مفتونا بالشيك .. قرر أن يركب تاكسي ليوصله بسرعة إلى البنك.

- " خذني إلى أقرب بنك ".
- " أقرب بنك ؟ تريد إنجيز*
يعني ".
- " ما مشكلة انجيز .. لكن بسرعة ".
- " إذا كان انجيز .. ما أوصلك إلى بنك واحد بس ..أوصلك إلى ألف بنك ".

***

بعد مسافة نصف ساعة أوصله التاكسي إلى ساحة بنايات عالية يخترقها شارع طويل مزدحم بالسيارات. تعجب ونهر سائق التاكسي بسذاجة :

- " يا خي يكفي بنك واحد .. أنا بس أريد أصرف شيك ".
- " يا رجل .. ادخل أي بنك من هذه البنوك واصرف الشيك ".
- " انزين .. كم الحساب؟ ".
- " ريالين ".

بعد ذهول قصير نتيجة وقع المبلغ على أذنيه نقد السائق بتثاقل .. لإيمانه الشديد بقيمة الريالين .. لكنه سوف يستلم نقودا تكفيه لأشهر ، وسوف يشتري دفاتر وأقلام وأسرّة لأولاده ، وسوف لا يصلح السقف والباب والسور فقط .. بل سوف يقوم بتصليح جميع أبواب غرف البيت والحمام .. ويشتري أيضا برميلا جديدا للماء مصنوع من البلاستيك كي يكون بديلا لذلك القديم الذي أكله الصدأ .. لم يكمل إذ دخل أقرب بنك قادته إليه قدماه. سلّم الشيك للرجل الجالس خلف جدار زجاجي بها فتحة دائرية. نظر الرجل فيه باستغراب وقال له :

- " هذا الشيك لازم يصرف من بنك الخوير".

اندهش وزادت دقات قلبه .. أول مرة يمسك فيها شيك .. كيف له أن يعرف أسماء البنوك. أخذ الشيك .. وقبل أن يهم بالرحيل قال له الرجل : (لازم تسرع .. البنوك سوف تغلق بعد نصف ساعة). وعندما هم بالخروج اصطدم برجل ضخم جعله يلتف حول نفسه حتى سقط. ساعده الرجل الضخم على النهوض بعد أن بلع ضحكة في كرشه المتكور ، تدارك الأمر رغم صداع تسلل فجأة إلى رأسه .. وصادف صعوبة في فتح الباب الضخم ، إلا أن ذلك الرجل اتجه ناحيته وساعده في فتح الباب بعد أن أطلق ضحكته المكبوتة لتلفت انتباه جميع من كانوا في البنك.

***

قال سائق التاكسي :(ريالين). حرارة الشمس تلسع رقبته وتزيد من كمية صداعه ، أمسك الشيك جيدا واتجه ناحية البنك ، صعقته المفاجأة حينما وجده يقع في أسفل البناية التي استلم منها الشيك ، ضرب جبينه كعادته حينما يغضب من نفسه ، أرجع يده مبلولة بالعرق ، ثم أمسك باب البنك الذي كان مغلقا ، انكمش سريعا وأغمض عينيه ، وغاص في دوامة حالكة الظلام .. ثم نهض وقال :(باكر.. من الصبح). فشل في أن يجد باص نقل ، التعب تسلل إلى عظامه ، تحول الشيك إلى طائر ينقر عقله ، ثم تحول إلى بالون ينفجر ويمطره بالنقود.

***

في الصباح تناولت يده ريالين من جيبه ، ابتلعها سائق التاكسي ومضى ، هذه المرة مشى بخطوات وئيدة تجاه باب البنك ، وبمجرد أن فتحه انبعث منه هواء باردا ، اتجه ناحية نافذة زجاجية خلفها فتاة جميلة ، ناولها الشيك ، ثم لسعه صوتها حينما قالت :(أعطني البطاقة الشخصية). ارتجف من فكرة نسيان البطاقة في البيت ، لكنه استدرك سعادته حينما فتش عنها ووجدها مهترئة بين أوراق أخرى في جيبه ، ناولها إياها، ثم طلبت منه أن يوقع على ظهر الشيك. إحمرّ وجهه ووجد نفسه يقول لها :(لا أعرف .. أنا ما متعلم ..). ندت عنها ابتسامة خجل .. وناولته على الفور صندوق صغير به حبر أزرق ، عرفه بسرعة.

استقبل ابتسامة الفتاة بارتياح حينما ناولته ورقة نقدية بقيمة عشرة ريالات ، انتظر معاودة الفتاة في أن تنـاوله باقي الأوراق النقدية ، لكنها توقفت ، جف حلقـه ثم سألـها : (وين الباقي ؟). تحول وجهها إلى كتلة اندهاش وقالت له : (يا والدي .. ليس هناك باقي .. هذا كل المبلغ المكتـوب .. عشرة ريالات). تبادلت الفتاة الحيرة مع زميل لها وقالت له بصوت خافت: (تبا لهذا التاجر البخيل). تردد في تصديقها ، وعمل جاهدا على حبس دموعه في حدقتا عينيه.

* إشغال سيارة الأجرة لحساب الزبون.

الجمعة، 5 يونيو 2009

لوحة للدكتور محمد بن علي البلوشي

جماليات الأرصفة

يحيى سلام المنذري
أخرج من بيتي وتطأ قدماي الشارع الأسود الساخن ، وبين ضفتيه لا يوجد سوى التراب والحصى، أحاول أن أظل ماشيا في الشارع الأسود ولكن السيارات تطردني بقسوة فأشعر بحزن وأشعر بغربة ، هناك إمرأتان تمشيان بحذر شديد بجانب بعضهما في اللهيب الأسود ، وحينما تريدان تفادي سيارة قادمة تمشي واحدة منهما وراء الأخرى وكأنهما في طابور، غمغماتهما تتطاير مع الهواء الترابي وتلتصق في مؤخرة السيارة، أحس بمعاناتهما فالطقس والطريق والسيارات المتوحشة وكل من خطط لهذه الطرق يتحولون إلى كائنات مزعجة تقذف من جوفها تراب موحل باتجاهي وتجاههما وتجاه كل المشاة. الأقدام تدوس التراب ولا أحد يمشي أمام البيوت ومن يحاول المشي يتعثر بالحصى ، أما الأطفال فإما أنهم يلعبون داخل بيوتهم أو يلعبون على الشارع الأسود أو في أرض ترابية لم يستطع مالكها أن يبني عليها منزلا. من يا ترى يكره الأرصفة بهذا الشكل المريع؟ ثمة شخص لا أعرفه أو أشخاص مختلفون لا أعرفهم لا يحبون كلمة رصيف ولا يعرفون معناه وقيمته ، ولذلك هم حاقدون على مدينة بأرصفة ويتعمدون على أن تكون البيوت محاطة بخيوط سوداء ساخنة بدون حدود ملونة وبدون مساحات للأقدام.
كيف هي مدن أوروبا وأستراليا وغيرها؟ تلك المدن الخالية من التراب والغبار؟ .. مدن رزينة وجميلة بأرصفتها الملونة وبيوتها ومقاهيها ومحلاتها النظيفة، والرصيف هناك له ثقافتة واحترامه وتبجيله لأنه يعتبر ممشى للناس بعيدا عن الشارع الذي يعتبر ممشى للسيارات ، الرصيف قصيدة للمقاهي المتناثرة هنا وهناك ، الرصيف له قدسية خاصة فهو مكان للرياضة وممارسة المشي والركض والجلوس والقراءة ، الرصيف صديق البيئة بلا منازع فهو يقتل الغبار والأتربة، الرصيف من جماليات المدن ، الرصيف حق من حقوق جميع فئات الناس الأصحاء وذوي الاحتياجات الخاصة وكبار السن والنساء والأطفال والشباب، وعلى الجهات المعنية أن توفره لجميع المناطق.

ولكن لماذا لا توجد أرصفة في مدن وولايات بلادنا؟ مسقط وهي عاصمة البلد تفتقر لوجود أرصفة، عدا في بعض المناطق كشاطيء القرم ومدينة السلطان قابوس ومدينة الاعلام، أما بقية المناطق بلا أرصفة ، هناك أرصفة متناثرة بمحاذاة البحر في بعض الشواطيء وعلى الراغبين في الاستمتاع بها أن يصلوا إليها بسياراتهم، هناك الكثير من الدراسات والكتابات حول الأرصفة وثقافتها وأثرها على الناس ، البعض يطالب بعدم تهميشها والآخر يطالب بعدم السماح للشوارع -الخاصة بالسيارات- باحتلالها، ومنهم من يطالب بتوسعتها ومنهم من يخاف أن تجرد من حريتها وحركتها ودورها الثقافي وآخرين يطالبون بأن تكون صالحة لاستخدامات ذوي الاحتياجات الخاصة، ونحن نطالب بأن تكون الأرصفة بجمالياتها الثقافية متوفرة في كل مكان يوجد به بيوت وبشر. فما الذي ينقص مدننا حتى لا ترصع بالأرصفة.

الجمعة، 7 سبتمبر 2007

عذابات المرأة في قصص مجموعة (رفرفة) لبشرى خلفان


يحيى سلام المنذري


تقترب الأعمال الأدبية كالرواية والقصة والشعر من القاريء حينما تلامس أحاسيسه وتثير لديه نوعا من التساؤل والتأمل المعرفي حول ما يتعلق بخصائص وموضوعات النص ، شريطة أن يكون هذا القاريء شريكا في النص ومقدرا للأدب والفن والتجديد. لأن الكتابة الأدبية والفنون بشكل أساسي تأتي للتأثير في الواقع ومحاولة طرح ما هو غير مألوف ولا يراه الإنسان العادي. والكاتب يطرح رؤيته من خلال اندماجه وتفاعله واشتراكه مع المجتمع الذي يعيشه ، وقد تأتي هذه الرؤية في عمله الأدبي أو الفني دون تخطيط مسبق نتيجة ما يشاهده ويتأمله من أحداث وعادات وشخصيات وربما أيضا تأتي بتخطيط منه ووضع خطوط رئيسية لرواية ما مثلا يحرك شخوصها في عالم جديد يبتكره وفي نفس الوقت مستلهم من الواقع ، وهذا لا يتعارض أيضا مع تسليطه الضوء على ذاته التي لا يستطيع أن ينفصل عنها ، فمهما كتب عن شخوص أخرى تتدخل ذاته بطريقة غير واعية.

وتوضيحا لمدى تفاعل الأجناس الأدبية والكاتب مع المجتمع ، لا بد من الإشارة إلى كتاب ((المجتمع العربي في القرن العشرين – بحث في تغير الأحوال والعلاقات)) للروائي وعالم الاجتماع الدكتور حليم بركات الذي وضع فصلا كاملا بالكتاب عنوانه (الثقافة الإبداعية وعلاقتها بالواقع الإجتماعي) ، حيث أشار من خلاله وضع نظرية عِلم-اجتماعية متطورة للرواية العربية وكتمثل للفنون الأخرى ، حيث وضع فرضيات أساسية لها وجرى على إثباتها بالتحليل والقراءة عن طريق تقديم أمثلة حسية للعديد من الأعمال الروائية العربية ، ومن هذه الفرضيات وجود علاقة تفاعلية بين العمل الأدبي كالرواية مضمونا وشكلا والواقع الاجتماعي التاريخي ، وكيف أن هذا العمل يؤثر في تغيير هذا الواقع من حيث الإسهام في خلق وعي جديد وتسليط الضوء على أبعاده ومكوناته الخفية. كما افترض أيضا أن الرواية هي منظور معرفي آخر وبحث في طبيعة المجتمع والإنسان كبقية الاختصاصات المعرفية ، فلا تقِل عن العلم والفلسفة دقة وعمقا واكتناها لأسرار الحياة وأقانيمها ، إضافة إلى كون الرواية بحث واكتشاف وخوض في معرفة النفس الإنسانية وتجاوز الواقع (ص686-687).

وفي هذه القراءة الانطباعية سأتناول قصص مجموعة (رفرفة) للقاصة بشرى خلفان كنموذج حاول الإشتغال على هذا الجانب ، فعند قراءتي الأولى لهذه القصص اشتعلت فيّ رغبة مواصلة القراءة حتى آخر قصة ، وحينما انتهيت من قراءتها قلت بأن ثمة أهمية تكمن فيها ، ثم وعدت نفسي بأن أعود إليها، وبعد فترة قرأتها مرة أخرى وتكشفت لدي استنتاجات عدة ومهمة على صعيد فن كتابة القصة لدى الكاتبة وكيف رصدت ثيمة مشتركة –ربما لا شعوريا- لموضوع القص لديها يمكن وصفها بِعقد قصصي يربطه خيط من هم وعذابات المرأة العربية. وحينها فرض السؤال نفسه عن أي مدى نجحت مجموعة رفرفة في تسليط الضوء على أبعاد المجتمع ومكوناته الخفية وخاصة فيما يتعلق بالمرأة ؟

تركز هذه القراءة على الموضوع الذي يربط نصوص المجموعة ببعضها ، وإذا كان العِقد يحتوي على خَرَز بلون واحد ، تأتي خرزتان أو قصتان وهما (إسطرلاب ، ص 25) و (رقص ، ص 27) تحملان لونا آخر يشذ عن بقية القصص ، فقصة إسطرلاب تحكي عن القبطان العربي والقبطان الأبيض - حسب وصف الكاتبة – اللذين اشتركا في مشروع رحلة بحر غير بريئة ، والأخرى هي قصة رقص التي تصف مشهدا لبعض الشبان في إحدى الحانات. وأما بقية القصص فإنها تشترك إلى حد ما في فكرة موضوعاتها التي تتمحور حول المرأة وعذاباتها وقسوة المجتمع العربي بعاداته القديمة وسطوة الذكورة ودور الإناث الهامشي فيه وعلاقات الرجل الشرقي بالمرأة، إضافة إلى أن الشخصيات الرئيسية في هذه القصص هي من النساء. ويبدو أن هذا الاشتغال نتج عن التحام الكاتبة بهموم مجتمعها وتأثرها بما يحمله من أحداث وعادات وخاصة فيما يتعلق بالمرأة وشؤونها. وربما يأتي هذا التدفق في الكتابة بهذا النوع عفويا وبلا شعور نتيجة الضغط الاجتماعي ، أي ليس ثمة تخطيط أو قصدية من أن يكون موضوع عذابات المرأة هي الثيمة الرئيسية في نصوص المجموعة. والجدول الآتي يؤكد على وجود هذه الثيمة من خلال بعض خصائص كل نص عدا القصتين اللتين ذكرتا أعلاه:





إذن القصص في هذه المجموعة جاءت كإعادة لصياغة الواقع المنبثق من المجتمع في عمل له خصائصه الفنية غير المباشرة والذي أيضا احتفى بلغة شعرية وتوظيف الخيال وبعض الموروثات الشعبية. نجد في قصة (هُنّ ، ص 35) رصدا لحالة نفسية لفتاة تعشق الموسيقى والرقص ، ولكن الجدران الأربعة بقيودها الاجتماعية تقف حائلا في تحقيق رغبتها الجامحة بالرقص. قلم الكاتبة خط مشهدا قصيرا للموسيقى والطبول التي تتصاعد خارج نافذة الفتاة بدون التصريح عن مصدر الموسيقى إلا ان هناك دلائل عن وجود عرس في الخارج يوقظ في الفتاة رغبتها في الرقص ، فتمارسه داخل غرفتها ، ولكنها في نفس الوقت لا تنسى تحذير أُمِها عن عدم الرقص وعلى أنه " تقليد للجواري فاقدات الحيا" ولا تنسى أيضا "عيون أخوتها الراصدة في شقوق الدار". القصة إلى جانب إشاراتها الواضحة للعادات الاجتماعية وقمعها للرغبات كرغبة الرقص هنا -حتى وإن كان داخل الغرفة- فإنها تعطي وصفا مركزا ودقيقا لتفاعل الفتاة مع الموسيقى والطبول " تنفخ الضوء في المصباح ، تخلع ملابسها فيتحد بياضُها بالظلمة ، تدخلها الموسيقى عبر المسام المتعرق ، تدق قدميها أرض غرفتها ، وتزداد قسوتُها كلما ازداد صخب الطبول ، ص 35 ".

ونلاحظ فقدان الأمان لدى المرأة في قصة (صرير الأبواب المحكمة ، ص 47) ، وهي عبارة عن رسالة تكتبها فتاة لشخص مسافر ، تُعلمه من خلالها عن أبيها الذي طرأ تغيير في حالته بعد وفاة زوجته. ورغم أن فكرة السرد عن طريق الرسالة متكررة إلا أن الكاتبة تتمكن بطريقة فنية من رصد نفسية وحالة الأب بعد فقده لزوجته ، كما أن القصة رصدت الحنين والألم والوحدة وفقد الأمان الذي تعانيه كاتبة الرسالة من حالة أبيها وفراق من تكتب له ، إذ تقول بكل حرقة للشخص الذي تخاطبه " تعرف كم هي صعبة كتابة الرسائل ، تماما كإعادة نبش قبور أهلنا الذين ماتوا والتفرس في بقاياهم ، لا تعترض ، عن ماذا سأكتب لك؟ عن وحدتي ، فراغي ، أم عن هذا الفقد المؤلم للصحبة، ص47 " إذن كمثل هذه المشاعر الحارقة وغيرها في النص تبثها كاتبة الرسالة .. تصرح عن معاناة الفقد وابتعاد الأمان ، كما أن الأبواب المحكمة ترمز إلى الأمان الذي كان يوفره لها أبوها ، فالأب كانت له عادة إغلاق جميع أبواب البيت بعد أن ينام الجميع ، حيث كان في عز استيقاظه وخوفه على أولاده ، أما الآن بعد تغير حالته وتقدمه في السن تظل الأبواب غير محكمة وتظل الفتاة كاتبة الرسالة أسيرة حزنها وقلقها بعد أن تعودت على حماية الرجل لها.

وثمة قصة جمعت في ثناياها القهر الاجتماعي وسلطة الأب وقمع الرغبات ، وهي قصة (ريا، ص56) ، وفكرة القصة معروفة وهي قضية العائلة أو الأب الذي لا يوافق ولا يرضى بأن يزوج إبنته لرجل دون مستواه الاجتماعي ، إلى جانب فكرة قمع الفتيات وحبسهن في البيوت ، ولكن الكاتبة هنا تُلبس الحكاية ثوبا تاريخيا وشاعريا مستوحى من قصص ألف ليلة وليلة. حيث استهلت كل مقطع ورد بالقصة بكلمة (يحكى أن ..) وجعلت الأب ملكا ذا سطوة جبارة ، أوليس المجتمع العربي مجتمعا ذكوريا وأبويا سلطويا؟ وابنته أميرة جميلة ذات شعر طويل والتي دائما ما كانت تبكي حتى يغلبها النوم إلى أن وقعت في غرام أحد حراس القلعة بطريقة مفبركة. إذن قصة الحب هذه مستهلكة وموضوع الانتحار في نهاية القصة أيضا مستهلك في العديد من القصص ويذكرنا بمسرحية روميو وجولييت التي أيضا ظهرت في أفلام سينمائية عديدة وبأزمان مختلفة ، إلا أنه حسب تفسيري ربما ارتأت الكاتبة هنا أن تؤكد على هذه القصة وتضمها إلى مجموعة القصص عن عذابات المرأة وقسوة المجتمع والتقاليد ، وربما أرادتها صرخة مترددة من بئر التاريخ وحتى الحاضر ، لتقول أن هذه القصة حدثت في مجتمعات مختلفة وما زالت تحدث.

وتأتي قصة (رفرفة، ص59) كصرخة أخرى ضد القهر الاجتماعي والسلطة الأبوية ، وهي قصة خولة الفتاة الصغيرة التي أطلقت سراح الحمامة من القفص الذي كان على سطح البيت لتدخل هي في قفص زواج مبكر وهي ما زالت طالبة بالمدرسة ، وكأنها عملية مقايضة غريبة لا تعلم الفتاة عنها شيئا وهي حرية الحمامة مقابل حرية الفتاة ، ولكن هذه المقايضة تحدث نتيجة رغبة الفتاة في حرية الحمامة ، ونتيجة خسارة أبيها الرهان على من يسقط أكبر عدد من الحمام مع رجل جشع ليزجها في آلام لا حصر لها. تبدأ القصة بضمير المخاطب ، ليصف السارد حركة جناحي الحمامة وهما يرفرفان نحو الحرية والهواء والطرب ، وثمة وصف لخولة ورغبتها في إطلاق سراح الحمامة وخوفها من معرفة أمها بذلك، وفجأة ينبه السارد القاريء إلى أن خولة "ستدلق كل تفاصيل الحكاية التي ترددها حتى كلت جدران البيت من الإنصات ، ص60" ليتحول السرد من ضمير المخاطب الى ضمير خولة وهي تحكي قصتها بطريقة الفلاش باك ، فمنذ ذلك اليوم وبعد أن رجعت من المدرسة وجدت أباها يقول لها "أنت اليوم عروس" لتتغير حياتها وتفقد طفولتها وصباها ، وثمة إشارة واضحة الى عادات الزواج المبكر للفتيات نتيجة أسباب اجتماعية كثيرة ومختلفة ، وأيضا ثمة رصد لحالة الفتاة الصغيرة بعد زواجها وما صاحبه من آلام وحسرة وخوف ورحيلها إلى المدينة وتحولها الى "جارية مطيعة ، أعرف كل واجباتي ولا أسأل عن شيء ، ص63" فهي أصبحت كالدمية عند الرجل لدرجة أنها تكيفت مع الوضع وأصبحت خانعة ، وأيضا " وفي الليل أهرع إلى فراشي متجنبة أصابعه التي تتوغل في أنيني فتكتمه ، ص63 " وغيرها من التصاوير الشعرية التي تتمكن من رصد عذابات هذه الفتاة الصغيرة ، والفتاة لا تنسى حمامتها الطليقة الحرة فتأتي على ذكرها بين الحين والآخر في مقاطع متفرقة ، فتقول مثلا " هل كان للحمامة خيار عندما رأت الباب مفتوحا؟ كان خروجها في حد ذاته أمنية ،...، كان كل ما فَعلتُه أني فتحت الباب ، أما هي فقد استجابت لغواية الأفق .. يا إلهي كم كان الأفق مزهوا بخفقات الأجنحة! ، ص65 ".

وختاما فإن قصص مجموعة رفرفة تحتمل الكثير من التفاسير ، وهذه القراءة العابرة أشعلت ضوءا خافتا لعوالمها وشخوصها. إلا أن ثيمة المرأة وعذاباتها تظل أساسها الذي شيدت عليه.

المصادر
د.حليم بركات ، المجتمع العربي في القرن العشرين – بحث في تغير الأحوال والعلاقات ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، الطبعة الأولى ، يوليو 2000.

بشرى خلفان ، رفرفة / قصص ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ، الطبعة الأولى ، 2004.
نشرت هذه القراءة في مجلة نزوى العدد التاسع والأربعون

الأربعاء، 23 نوفمبر 2005

قراءة فـي قصتين لـ يحيى سلام المنذري وحسين العبري

سالم آل تويه

تقول الأسطورة اليونانية: إن الأنثى والذكر كانا بجسد واحد؛ كل ذكر وأنثى فـي جسد، لذلك كان الحب يتم تلقائياً دون حاجة إلى الاتصال بجسد آخر، لكنْ جاء وقت غضبت فيه الآلهة من الإنسان وطفح بها الكيل فانتقمت منه وعاقبته بفصله إلى نصفين أحدهما أنثى والآخر ذكر. ومنذ ذلك اليوم بدأت قصة البحث: كل نصف يبحث عن نصفه الآخر.

وتصدر جمانة حداد مجموعتها الشعرية «عودة ليليت« بالتعريف التالي: «ليليت: جاء ذكرها فـي الميثولوجيات السومرية والبابلية والأشورية والكنعانية، كما فـي العهد القديم والتلمود. تروي الأسطورة أنها المرأة الأولى التي خلقها الله من التراب على غرار آدم. لكن ليليت رفضت الخضوع الأعمى للرجل وسئمت الجنة، فتمردت وهربت ورفضت العودة. آنذاك نفاها الرب إلى ظلال الأرض المقفرة، ثم خلق من ضلع آدم المرأة الثانية، حواء«.

العلاقة بين الذكر والأنثى شكلت على الدوام مقياساً لجس نبضات قلب المجتمع، لا لشيء وإنما، فقط، لمعرفة إن كان القلب حياً أم ميتاً. الخطاب الذكوري المستبد يعلك مفاهيمه البالية لأنه إن لم يفعل ذلك فماذا سيفعل؟. إنه لا يملك سوى الاجترار والترديد فالتفكير والعقل أبعد ما يكونان عن رؤوس تصر على تقديم نفسها وكأنها مجتثة من أجساد كائنات أخرى تشترك معها فـي الشراسة والاندفاع والتذرع بالفحولة مقابل مطالبة المرأة بالخنوع والاستسلام ووصفها بالعورة، والمضي فـي هذه الرؤية الاضطهادية حد إقناع المرأة نفسها وتنصيبها عدوة لذاتها!.

هذا النمط يتكرر كثيراً فـي مدن كثيرة داخلها يعيش إناث وذكور، بنات وأولاد، فتيات وفتيان، نساء ورجال... قد يلتقي بعضهم مصادفةً أو عن سابق إصرار فـي قلعة أو شارع أو مقهى لكنْ، يا ترى، كيف؟.
ماذا يحدث؟.

هذان السؤالان يثاران فـي عدد كبير من القصص القصيرة فـي عُمان دون البحث عن إجابة بالطبع بقدر ما يقوم الإبداع باستكناه أغوار المجتمع وتفكيك منظومته الظاهرة للعيان أو تلك المدفونة فـي قبر الأعراف والتقاليد والعزلة والانغلاق.

منذ الوهلة الأولى يحيلنا عنوان قصة يحيى سلام المنذري «نصفان«1 إلى الأسطورة اليونانية وحقد الآلهة على الإنسان. العنوان هنا عارٍ من الزوائد والإضافات والصفات رغم أن إحالة أخرى تولدها تلقائية التأويل والدلالة البديهية، فمفردة «نصفان« تشير مباشرة إلى ما كان كُلا واحداً ثم تعرض لفصل قسمه نصفين. وما دام هناك نصفان فإن القصة تظل ناقصة بغياب أحدهما.

نحن- كقراء- نعرف ما يعتمل فـي قلبي (النصفين) من لوعة واشتياق وحنين ورغبة وهيام وحب وعشق وجنون، أما هما فلن يعرفا ذلك إلا فـي السر- بعيداً عن هنا حيث يجلسان على طاولتين منفصلتين فـي مقهى يعج بالزبائن- وقد لا يعرفان ذلك أبداً.

النصفان- حسب سياق القصة الضمني- هما فتاة وفتى ينصاعان لنداء الفطرة الغامض الذي يسعد الناسُ بالارتماء فـي أحضانه أو التقلب فـي أتونه الملتهب.

تنبني القصة عبر سرد يتخذ ثلاثة مستويات تبدأ بسرد أحد زبائن المقهى النظراتِ المتبادلةَ بين الفتاة والفتى. يضع المشهد مكبرا أمامنا فـي لحظات متوترة: «يغوص فـي عينيها بشراهة. هي على ما يبدو قد لاحظت ذلك، حتى أصابها الارتباك... ذلك الارتباك الذي يتوارى خلف تعابير الوجه المختلفة«.

طوال السرد لا تحدث سوى الهواجس التي تتوالد وتستمر وتتحول تكهناتٍ محضةً لا أحد يدري على وجه الدقة مدى صحتها من خطئها. إنها قصة الاحتمالات وأحداثها تتأزم فـي الصمت المطبق والنظر كلغة تعزز علاقة غريبة ومبهمة ولائذة بالأسرار والخفايا.

يبدو الأمر أبسط من ذلك مثلما يبدو فـي غاية التعقيد.
المونولوج يتراكم ويفشي الدواخل التي هي خافية عن الآخر، والآخر خافٍ عن الآخر بل لا يعرفه قط. أحد زبائن المقهى/ السارد الأول يسرد لنفسه فقط- وليس لأحد آخر- ما يراه من تخاطر بين الفتاة والفتى، وفـي اللحظة التي يتوقف فيها عن إبداء المزيد من الاحتمالات حول ما سيؤول إليه مصيرهما يواصل (النصف الأول)/ الفتى السرد وكأنه يكمل رسم المشهد الصامت من زوايا أخرى: «عيناها رذاذ الصباح، منذ أن جلست على طاولتي وأنا أحدق إليهما. عيناها مذاق الحب، فوجدت نفسي خارجاً عن كل شيء«. لكن عندما ينطفئ المشهد فجأةً بعد طول تحديق: «اختفت مثل طيف يشبه قوس قزح... مثل حلم جميل قصير... هل ستأتي مرة أخرى...؟ قد أرى غيرها... لكن من منهن سوف تطلق فـي نفسي حنين سحرها...؟ من سوف يبلل قلبي الحزين بالفرح...؟«. عندما يحدث هذا يبدأ سرد الفتاة وكأن الزمن لم يصل بعد إلى هذه اللحظة: «عيناه شرستان منذ أن جلست على طاولتي وهو يحدق إلي بشراهة. عيناه تفضحاني، فوجدتني ضائعة فـي صمت وترقب مثقلين«. السرد هنا بلسان أنثى مهد لها عنوان القصة بوصفها النصف الثاني.

هناك زمن واحد تحدث فيه السرود الثلاثة لكن أي زمن- فـي الحقيقة- يتعمق عندما يتشظى ويصبح فتاتاً كي ينكسر الخط المستقيم، وبالتالي تتعدد الأزمنة فـي الوعي مستدعاة من خبرة التعامل معها.
تقدم القصة نفسها فـي أشد لحظات الإنسان انخطافاً، تمسك بحجر كبير تريد أن تلقيه على رأس المجتمع لكنها تقف ولا تلقيه. ربما أرادت تعمدت التناسي والاكتفاء بهذا الافتتان، وهيهات حدوث ذلك.
علينا معرفة ما حدث بالضبط.

يقول الراوي الأول: «... وجهها خجل وأسئلة. وجهه شراسة ومباغتة... تلك نظرات لم يقطعها إلا حينما يحدق فـي سقف المقهى. هناك غيري بالتأكيد من لاحظ أن هذين الاثنين يثيران الانتباه، خصوصاً من جانبه، ومن المؤكد أيضاً أن الاثنين لا يعرفان شعور بعضهما بعضاً. قد يعتقد أنها أُغرمت به من خلال نظرتيها، أو يعتقد أنها فقط حاولت معرفة سر نظراته المستمرة فيها. وقد تعتقد أنه هام بها، أو أنه مجرد عابث ينظر لكل النساء بنفس النظرات«.

ما سيحدث، بحذافيره، مفتوح على الأوهام والاحتمالات. قد يحدث أي شيء وكل شيء لكن فـي نطاق الخوف والسر والقلق. ما يقوله الراوي هنا يمثل وجهة نظر منفتحة ومتحررة من الحمولات الاجتماعية الجاهزة. ولعله يشير إلى علة يفرزها المجتمع ويكرس لها، أو، بمعنى آخر، يمهد الطريق إليها. العلاقة بين الرجل والمرأة- كما يطرحها النص- ليست قائمة أصلاً، وإضافة إلى كونها متوهمة فإنها لا تتحقق- إن تحققت- إلا فـي السر، ولا تصل إلى هذا المصير إلا بعد لأي وعدم معرفة. وما دام مستقبل العلاقة مرهوناً بلعبة الاحتمالات يمكننا نحن أيضاً- من موقعنا كقراء متفاعلين مع النص- أن نتكهن بأن عدم المعرفة وحده فقط يمكن أن يفضي إلى حب جارف بين اثنين لا يمتلكان أدنى معرفة عن بعضهما بعضاً، ولم يلتقيا قبلاً، ولم يتبادلا أي كلمة.

هل هي تلقائية قدرية تحرف الأمور لتذهب بها إلى علاتها على هذه الشاكلة المندفعة الحالمة المتمنية؟.. ولنتذكر أن باب الاحتمالات لا ينغلق حتى بعد انفتاح النص على أسرار فـي ظهر الغيب قد لا تعدو كونها أضغاث أوهام.

ينبغي أن تظل العلاقة سراً بين الاثنين. انكشاف السر فضيحة فـي عرف المجتمع. وما هو السر؟: إنه العلاقة بين رجل وامرأة. وما هي الفضيحة؟: إنها معرفة المجتمع لهذه العلاقة. إذن لا فرار من الأسرار لأنها تتصدى للعرف عبر الهروب منه وليس بمواجهته، فالأمر برمته خطيئة فادحة لا تغتفر، تقوض أركان المجتمع.

ياللهول: كل هذا يحدث لأن رجلا وامرأة أرادا أن يتعارفا. لا ينتهي الأمر هنا بل يتفاقم. من المدين ومن المدان؟. يالها من معضلة كبرى.

يقول «النصف الأول«/ الرجل: «أحسست أن جميع الجالسين قد فضحوا إعجابي بها«. هذا لا يحدث إلا إذا توافرت الأسباب التالية:
1- أن نظراته إلى المرأة أثارت الآخرين.
2- أن الآخرين يعنيهم الأمر ويستنكرونه ويعدونه فضيحة.

ولنا هنا ألا نكف عن طرح الاحتمال تلو الاحتمال: ترى كيف سيكون رد فعل الآخرين لو أن الرجل تمادى أبعد من ذلك؟

غموضٌ ما يجعل النصف الثاني/ المرأة محرضًا للنصف الأول/ الرجل الذي يستجيب ويستغرق فـي تفاصيل متوهمة: «لو كانت تمتلك شيئًا من الجنون لتحركت من كرسيها وتقدمت ناحية طاولتي وقالت لي: «أممكن أن أشاركك الجلوس... فأنت على ما يبدو بحاجة لي«. حينها يصيبني شيء غريب لا أعرفه يجعلني أرتبك وأبتسم... سأرد عليها وأقول: «طبعًا طبعًا بإمكانك كل شيء يا حبيبتي«. ثم يدعي أنه واعٍ لرد فعلها تجاه غرابة ما يقوله: «ستحدق إلي، ستغتبط، ستضحك بغنج، وستقول: «حبيبتك... يالك من مجنون... نحن لم نتكلم بعد«. حينها سأهز رأسي بعنف، وسأرفع يدي عاليًا، وسأتجه نحو جميع الجالسين وسأصرخ بفرح«.
بالطبع لا يحدث شيء من هذا على الإطلاق رغم أن الشاب فـي غمرة هيامه لا يستنكر إعلان فرحه أمام الجميع، أي أنه مستعد لردم الهوة التي يحفرها المجتمع.

لماذا يتحول موضوع رغبة طرفين فـي التعرف إلى بعضهما بعضًا إلى مجال للخطط ووضع الاحتمالات وكأنه يتعلق بخوض معركة وليس برجل وامرأة يمكن لأحدهما الذهاب إلى الآخر فعلاً ومصافحته والتعرف إليه؟؛ فالمسافة ليست أكثر من طاولتين وانتهى الأمر. لماذا لا يحدث ذلك؟.

لا يحدث- ربما- لأن هناك صورة وحيدة يراها المجتمع- إذا ما اجتمع رجل وامرأة- هي صورة جنسية بحتة يتم فيها لقاء جسدي. هذا اللقاء يتم فـي مكان مغلق، أي فـي السر، ولو حدث لقاء أمام الجميع فإن تلك الصورة الجنسية تسطو بتفاصيلها الشهوانية لأنها مصنوعة من قبل تفكير مريض وبدائي لا يرى فـي الأنثى سوى موضوع للرغبة فقط، ولأنه مريض فاقدٌ الأمل فـي أن يكون سويا فإنه مع الأيام يكتسب عدوانية غير طبيعية لمماراة مرضه، لذلك يحبس المرأة لأنها عورة وفتنة وبلاء. إنه لا يرى فيها أبعد من جسدها وأعضائها التناسلية، وهذه الصورة ترتسم أمام عينيه طوال الوقت فيجن جنونه ويكاد يفتك حتى بنفسه.

هذا مرض خطير جدًا.
وكي نستفز تلك العقلية المريضة نعود إلى توليد احتمال آخر تسمح به القصة: ماذا سيحدث لو أن الفتى قبل الفتاة فـي المقهى أمام جميع رواده؟. قد لا يكون هذا التكهن سوى عدمِ معرفةٍ آخر ينضاف إلى العلاقة الموتورة والناقصة بين الذكر والأنثى، لكن هل ستحدث كارثة لأجل قبلة بين شخصين؟، ولماذا؟: لأن القبلة تخدش حياء المجتمع؟.

المجتمع ليس جنة الله الموعودة. المجتمع مليء بالنفاق والعهر والقمع والبشاعة والاستغلال والفساد، وما السر إلا تجل لأمراضه يتيح له ممارستها فـي الخفاء وهو مطمئن غير خائف من الانكشاف والفضيحة.

يمكننا المضي قدماً ورسم تلك الصورة الجنسية التي لا يرى المجتمع غيرها كلما دخلت أنثى فـي مشهد مع ذكر، لكن، بالنسبة إلينا، نرى تلك الصورة فـي سياقها دون أي عقدة تذكر، كما نرى صورًا أخرى كثيرة غير تلك الصورة. ونتمنى أن تفارق أمنية النصف الثاني وهمَها وتصبح حقيقة: «جاءني النادل، كان ظريفاً، طلب مثلجات وبدأت أتلمظها ببطء وأقارن لذتها مع لذة رؤيتي عينيه. هل أكون متوهمة؟. ويلي ما الذي حدث؟ ما الذي يدور فـي رأسي..؟ ما الذي يدور فـي رأسه..؟«.

إن أحداث قصة يحيى سلام المنذري الآنفة الذكر فضاؤها مقهى- والمقهى فضاء اجتماعي أيضاً- غير مسمى يفشل فـي نهاية الأمر فـي أن يقرب بين اثنين. أما قصة حسين العبري ورغم أن أحداثها تدور فـي الشارع إلا أنها، بدايةً من عنوانها، تحدد مكان الشارع وتنفي نفيا قاطعاً: «لا يوجد مكان للحب فـي مسقط«2.

سنقول، مرةً أخرى، أنثى وذكر عوض امرأة ورجل أو فتى وفتاة؛ لأن ملامح الشخوص ليست محددة عمرياً بينما تتوطد أطروحاتها حول (الحب) بتعدد مفاهيمه. إنها شخوص غائمة، ربما، لأنها تنتهك حرمةً ما. إننا لا نعرف أكثر من أن «سيارتها تتقدم سيارتك وأنت وراءها كأي شيء«. هذا هو السطر الأول فـي القصة تغيب فيه ملامح الشخص تماماً ويصبح مبهماً غير واثق أو لا يتحدد- «كأي شيء« حتى مع نفسه بينما كان مرأى جسدين ماديين يحتل حيزا مكانيا أكبر. بلغة أخرى: مرأى السيارتين كان أوضح رغم عتامته أيضاً. لنواصل القراءة: «سيتقدم الليل بملكوته الصامت، ستطول الطرقات الإسفلتية بكآبة وأنت وراءها. نظرك معلق على خلفية سيارتها اللامعة. أنت تقرأ الأرقام للائحة الصفراء الطويلة. أنت ترى ما يفعله الزمن فـي الأشخاص، وأنت تدرك ما يفعله الزمن فيك، وها أنت تدرك أنها ستستدير إلى هذا المكان المقطوع أخيراً«. هل هو ندمٌ يخوض صراعاً مع الرغبة؟، وكأنما لا محالة من الاستمرار فـي ذرع شوارع المدينة لاكتشاف أنها المكان الوحيد للقيام بعمل واحد: البحث عن مكان يلتقي فيه رجل وامرأة. شوارع تسلم إلى شوارع ولا مكان. «السيارات من خلفكما ومن أمامكما وأنت ملتزم باللحاق بها، لن تغفل عيناك عن سيارتها، عن الماركة التي تحمل الاسم الشهير. عمود الكهرباء العشرون، عمود الكهرباء الواحد والعشرون«.

هنا إذن تبدأ قصة أخرى: قصة الزمن ورتابته وتكراره والحيرة التي تصنع العبث: «سوف يعذبك الوقت والانتظار، وسيعذبك أنها لن تجد المكان الملائم، لكنك تتساءل داخلك: المكان الملائم لماذا؟ إنك لا تعرف بالتأكيد ما الذي يمكن أن تفعله معها، أنت لا تعرف شيئا«. وقبل هذا شيءٌ غريبٌ يحدث ويستمر مقرونا بالمكان المبحوث عنه: «ها هي الآن تصل إلى نهاية الجرف، سوف تقول بتعال- كما قالت من قبل- إن هذا المكان غير متشح بالمجد، وسترجع بسيارتها للوراء وأنت وراءها«. هكذا يصير وجود المكان مستحيلاً، وفقط يتواتر الزمن تباعاً ليلتف على نفسه أو يمضى أكثر رتابةً بلا نهاية.

فراغ شاسع يعيشه الرجل وهو يتبع بسيارته سيارة المرأة. يمتلئ الفراغ بفراغات أخرى دون حسم للعبة أو وضع نهاية لها. إلى متى سيستمر الرواح والمجيء فـي الشوارع بحثا عن مكان صالح للحب؟.

السيارتان يمكن أن تمثلا رمزاً مكانياً صغيراً واقياً من أعين المجتمع. هذا المكان الصغير يتحرك فـي مكان أوسع ومكشوف متمثلاً فـي شوارع المدينة، ما يعني انكشافاً جزئياً على الأقل لا يمنح متسعاً للحب، أي لاجتماع الاثنين فـي مكان خاص دون رقابة أو فضح. يسطو الزمن على الرجل ويحس بفرط حضوره وعنفه ورتابته وإقلاقه ومضيه بلا جدوى: «وأنت مفعمٌ بالرغبة« التي لا تتحقق ويشحنها مضي الزمن بالفتور وفقدان مخرج نفسي ينتشل الشخصية من الاستمرار فـي لعبة خاسرة.
الرغبةُ موضوعٌ محلومٌ به يقوم بتأجيل الانسحاب من مشكلة البحث عن مكان، والزمن يثير أسئلة المكان حين يمر ثقيلاً وقاسياً. لا ننسى طوال القصة حضور عنوانها ليس كخلفية بل خلاصة منتهى من أمرها. نعرف معاناة الرجل مع وطأة الزمن والتحولات المحبطة التي يفعلها فيه، أما المرأة فمن خلال شعور الرجل تجاهها نعرف أنها الأقوى والمسيطرة فضلاً عن أنها هي من تقود الرجل؛ فهذا يتبعها بسيارته، وكما لو أن الاثنين يطاردان الزمن بوسيلة مهما كانت مسرعة تبقى دائرةً فـي نطاق الزمن وتحت هيمنته مع أن تعامل المرأة معه- الزمن- ليس واضحا. يضيق الرجل ذرعاً بالزمن لكن الرغبة- التي هي الشهوة بمعنى آخر- تفسح المجال- كل مرة- للتخفيف من وطأته ظناً أن الهدف سيتحقق ويتوفر المكان لممارسة الحب.

الزمن لحوحٌ والرغبة أشد إلحاحاً: «... لن تحاول أن توقفها بعناد، أو أن تتجاوزها بقسوة، أن تقول لها: لا، بإمعان، أو تقول لها سنقف هنا بكلمة ثاقبة. أو تقول: سوف نفعل الحب أو أي شيء تريدين هنا، بلا مواربة«. إنه يعرف سلفاً أنه لن يقدم على وضع حد للمسألة، ولا حتى مجرد أن يحاول ذلك، أي أنه يستمرئ فـي تعذيب نفسه ويقرر مواصلة البحث عن المكان، ويجد الأعذار رغم قناعته بعدم الجدوى، الأمر الذي يعني ضمنياً اختلاقه لأمل سيؤدي أخيراً إلى إيجاد مكان للحب، وهذا بدوره يعني تعزية الذات: «لن يطاوعك قلبك، قلبك الفضولي، قلبك المجنون، قلبك الباحث«. الرغبة، إذن، متمكنة ومتملكة وفـي سبيلها حتى الزمن يمكن أن يحتمل: «تبتعد التلال فـي المرآة الأمامية، وتتلاشى سداب والبستان ومطرح فـي المرآتين الجانبيتين، والعجلات ما زالت تدور، وأنت عبدٌ للائحة الصفراء الطويلة«.

هنا تجرف الرغبةُ الرجلَ وتحوله عبداً خاضعاً لها. وهنا تتشكل جغرافيا أخرى للمكان ترسمها القصة وتحول ثوابتها المعروفة إلى مكان يحارب الحب خوفاً منه أو قمعاً له، فلا شك أننا لن نصدق أبداً قصة عدم وجود مكان يختلي فيه ذكر وأنثى، لكنْ، قبل هذا، ينطرح سؤال أعمق قد يكون طرحُه فـي مكان آخر أدعى للسخْرِيَةِ والضحِكِ: لماذا لم تجد شخصيتا القصة (الذكر والأنثى) مكاناً يسمح لهما بفعل الحب؟!.

الآن سنسوق تباعاً لازمةً تتكرر، فـي ثنايا القصة، بين فقرات متباعدة يحرض سردَها العبثُ المحضُ للزمن:
«أعمدة الكهرباء المطلة من علً، الأول، الثاني، الثالث، وهي تسرع وأنت تحاول اللحاق بها«.
«عمود الكهرباء العشرون، عمود الكهرباء الواحد والعشرون«.
«العمود المائة والواحد والعشرون«.
«العمود المائتان، العمود المائتان والواحد«.
«العمود الثلاثمائة والاثنان والثلاثون، العمود الثلاثمائة والثلاثة والثلاثون...«.
هنا تنتهي القصة لكنها، فـي الحقيقة، لا تنتهي.
إنها قصةٌ قد تستغرق الزمن كله ولا تعثر على مكان للحب؛ لأنه لا يوجد فـي مسقط!. :)

عن ملحق شرفات
________________________________________

الأحد، 9 مايو 1999

رواية "الطواف حيث الجمر" لبدرية الشحي..الطيران بلا توقف نحو المجهول

يحيى سلام المنذري

ظننت أن موضوع الكتابة لدى بدرية الشحي مجرد هاجس تلاشى مع مرور الأيام ، بعد أن نشرت الكثير من القصص القصيرة في الصحف والمجلات المحلية قبل عشرة أعوام تقريبا .. ولكنها كسرت صمتها - ربما كان صمتا للمراجعة والتأمل - لتعلن أن هناك صوتا ينبض بقوة في الحركة الابداعية العمانية توجته بكل جرأة من خلال نشرها لروايتها الأولى (الطواف حيث الجمر)، والتي تعتبر الأولى كقلم نسائي عماني ، ومن الاصدارات المهمة التي سوف تثير نقاشا وجدلا، ومن يدري لعلها أول الغيث .
سطور الرواية مفعمة بجمرات التسلط والتمرد والتوق للتحرر من جميع القيود الاجتماعية ، نداء وعويل ضد عادات وتقاليد مازال بعضها يترسخ بقوة في العقول .. ولكن الى أي مدى ترمي الكاتبة هذه الجمرات ؟ ربما تحيلنا هذه التجربة البديعة لكتابات مشابهة في العالم العربي بأقلام كاتبات كان لهن دور في إبراز قضايا تخصهن بالتحديد مثل موضوع قهر المرأة وتسلط الرجل عليها مع قضايا أخرى في المجتمع، ولكن هذه المرة في بيئة عمانية تمتد حتى السواحل الافريقية في قصصها. الا يذكرنا موضوع التحرر هذا بكتاب مذكرات أميرة عربية للسيدة سالمة ؟ ومع اختلاف خيط الابداع في العملين ، إلا أنهما يطرحان موضوعا واحدا شائكا ومقلقا جدا، يحتاج لرؤية ثاقبة ، وامكانيات فنية للطرح والصياغة . وحينما تفاعت كاتبة رواية (الطواف ) مع مجتمعها وبيئتها تسلحت بكل ذلك ، الى جانب وعيها الذي أدرك ضرورة كتابة عمل جريء وقريب من الاتقان كالذي بين أيدينا الآن ، هي مغامرة كتابة جديرة بتكوين صدى وتفجير تسآؤلات .
زمن أحداث الرواية تصاعدي ويمشي في خيط واحد على لسان بطلة الرواية (زهرة ) التي كانت متأججة منذ البداية بروح القص الجميل ، ويروح التمرد والتحرر من القيود التي كبلتها منذ الولادة ، فزرعت في قلبها التساؤلات وعدم السقوط في الذل مهما كانت العواقب ، وتحت وطأة كل تلك القيود قررت الهروب من نار الأهل وعاداتهم المتناقضة الثقيلة الى جحيم آخر مجهول ، تجبرنا الراوية على متابعته بشغف حتى النهاية ، وهي نقطة التشويق التي نجحت فيها الكاتبة .
الهروب والانسلاخ من العبودية ، دلالات تطرحها الرواية في قصة زهرة وتمردها على أهلها وعلى آخرين في السفينة التي تهربها الى افريقيا، لذا نجدها ساخطة وحاقدة عل الرجال لما يمتلكون من قوة وتسلط بمساعدة المجتمع، ولكن زهرة تحاول أيضا الى جانب حقدها إذلالهم إذ لا ضير أن تدوسهم بأقدامها إن سنحت لها الفرصة .. "سعيدة أنا أن أجد هناك واحدا على الأقل مستعدا لتخطي حاجز الفوقية من أجلي ، واحدا استطيع أن أدوسه بقدمي، أذله فيسقط أمامي صريعا دون شكوى أو تذمر يذكر.." ص 130، ولكن كل ذلك سوف يكون بعد التحرر من العادات التي تقيدها ووقوعها بعد ذلك في دور المتسلط والسيد، وهو الدور الذي تكرهه في الرجال .
ولكن هل وجدت زهرة ما تتمناه أم أن قرار الفرار أذبلها وجعل الندم يدب في عروقها .. أم أنها انتصرت ونالت مبتغاها؟ في بدايات الهروب ورد تصوير بديع على لسان زهرة للتحرر من البرقع الذي زامنها منذ الصغر مع تذكرها لبعض معاناة الطفولة .. "أحب هذه الحياة ، أحب أن أعيش فقط أطير بلا توقف ، أحلق وأرى الكون بأسره تحتي، وأنا للمرة الأولى والأخيرة فوق ، لا يمسكني شيء ولا تتعب أجنحتي ، وهكذا كما وعدت نفسي وأمام عيني سلطان نافد الصبر دونما ترده أو تأخير، أمسكت ببرقعي ونزعته عني وبسرعة رهيبة رميته بالبحر، لم ألتفت اليه ولا إلى أولئك الحمقي المتناقضين . كان ما يشد نظري أكثر ذلك البرقع الذليل ، الذي كنت أراه يلوح مستنجدا ،رأيت وقتها طفلة تعدو، يجرجرها أبوها على شوك السدر، كانت تصرخ مستنجدة أيضا، وكانت مصدومة يقتلها الخوف .." ص114 ، اليست هي متعة التحرر وثم التحسر على أيام مضت ذاقت فيها الذل والتفرقة العنصرية .. كل هذا يختلط في القصة ويتماوج مع تأملات زهرة التي تقترب من الشاعرية ، وامنياتها وأحلامها الى بلاد تتجاهل العرق واللون والأصل والجنس .. "كل ما بغيت أن تحملني موجة بيضاء الى أرض تتجاهل أنوثتي وتعاملني بنقاء وحب ، تتجاهل عرقي ولوني وأصلي وجنسي".. ص140، كما أنها تمنت أن تكون صبيا لدرجة منزلته الرفيعة في المجتمع ، إنه الاحساس بالوضاعة والذل .. "ألم أتمن دائما أن أكون صبيا بين طرفة عين وأخري" ص127، نجد أن زهرة ألبست شخصية قوية حاولت مقارعة الشر بالشر، وحينما يتاح لها أن تكون سيدة تأمر وتنهى ، تنسى التحرر تجاه الحب والانسانية والحلم بعالم خال من التفرقة العنصرية ، وتجد أن الكاتبة توقعها في مطب التسيد ودور الجلاد والخبث وحب المال ، مصورة بذلك نفسية زهرة الحاقدة في قصة غريبة بدايتها أحداث السفينة ، ثم المزرعة الافريقية التي سلبتها ، وكونت منها عالما خاصا بها تجلد فيه عبيدها باوامرها الساخطة ، فهل ذلك يعود للفطرة أم الانتقام من الرجال أم وراثة التسيد أم أنه نتاج الحقد ؟
أحداث الرواية تتباين بين التطويل في بعض المشاهد والسرعة في بعضها ، يشوبها بعض العثرات اللغوية والأخطاء المطبعية الكثيرة ، وبنيانها متماسك، يهزه في بعض الأحيان بعض التناقضات الطفيفة .. مثلا : كيف يسمح صالح بعد أن تزوج من زهرة بدخول سلطان المريض الى قمرتها كي تعتني به وهو الذي حقد عليه لدرجة الوشاية به ، ألم يكن في السفينة سوى تلك القمرة ، أليس هناك من أحد غير زهرة يعتني به ؟ هل هي صنعة الحدث تلك التي ولدت هذه الفكرة المتناقضة ؟ ولكن هذا المثال لا يقدر على هدم هذا البنيان لأنه نتاج جيد واضح ولأنه نزف بتلم موهوب امتلك الصبر لمثل هذه الكتابة ربما سنوات .
اذا كان القاريء قد صدم بعدم وجود الصفحة الأخيرة في هذه الرواية وتألم لأنه لم يشبع نهمه من قراءة نهاية الرواية ، فكيف يكون موقف الكاتب الذي نزف كتابة وألما وعصارة جهد أياما وشهورا وسنوات ، ويرى كتابه مطبوعا تنقصه صفحة ويباع في المعارض والمكتبات كيف تسمح دار نشر مشهورة -ويثق فيها معظم الكتاب- بذلك .. هل بدأت جديتها في الاصدار تتناقص بعد أن نشرت لكثير من الكتاب البارزين على مدى سنوات ؟
إذن هكذا قرأت كل الرواية ما عدا نهايتها فقد ابتلعتها مطابع دار النشر؟
الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر- بيروت 1999م
نشرت القراءة في مجلة نزوى العدد التاسع عشر

الجمعة، 3 يوليو 1998

مجموعة اللون البني .. عين القاص في رحلة الرصد

يحيى سلام المنذري

في رحلته عبر (اللون البني) اصطاد القاص محمود الرحبي مشاهد تفصيلية - الى حد ما - لكائنات حية وغير حية واجواء واماكن هزته من اعماقه، فكان ان ترصدها منذ زمن. وبدأ ينسج خيوطها بهدوء العارف، وبتقنية الفنان، الى ان انجز رحلته / مجموعته الأولى هذه على ارض مقسمة الى ثلاث مناطق مكتظة بالكائنات المختلفة والفانتازيا، وجميعها التقطت اما عن طريق عينيه وذهنه محتفظا بجميع المشاهد المؤثرة، أو عدسة مجهره الفنية التي تكبر الاشياء والمشاهد أو كاميرته التي تلتقط (مثلا) صورة تركز على شخص معين ألا أنها أيضا تحتوي على جميع الأشياء من حوله.

من هنا ينوع القاص محمود الرحبي مواضيع الرصد لديه من مشاهد وانفعالات تتراوح بين التلقائية والصنعة الفنية، والمشهد لديه حالة تجر وراءها حالات كقصة (عين الذبابة.. ص 21). أو يكون المشهد حالة مكثفة مختزلة تنم عن سلسلة من التساؤلات كقصة (حضيض.. ص 29)، وثمة قصص تولدت من تفاعل الكاتب مع الكائنات المختلفة من حوله، وعلى سبيل المثال قصة بعنوان (سقف العرين.. ص 43) التي تلتقي في موضوعها مع قصة (ركلات متوالية.. ص 45)، إذ في القصة الأولى السارد يستخدم أفعال الأمر كثيرا فيوجه نفسه أن ينزل الى الشارع بعد أن يخرج من البيت ويتعامل كفنان مع الأشياء الأخرى الى أن يأمر قدميه على الطيران ويعود لبيته ويصرخ من أثر كل شيء شاهده وتفاعل معه، والقصة الثانية يستفيق البطل ويخرج من البيت ليتفاعل مع كائنات الصباح وبعدها يعود الى البيت، اذن القصتان لهما بداية واحدة ونهاية واحدة وهما قابلتان لدمج.

وهناك قصص يركز القاص على استخدام عدسة مجهره بشكل واضح لتكبير التفاعلات، مثلا في قصة (وجه.. ص 49) ذكر فيها معظم التفاصيل الخارجية للجسد. وهي على الترتيب حسبما وردت في القصة: (الديدان /الخدان /الفخذان / الاكف / الاظافر / الانف / الوجنتان / الرقبة / حلقة الاذن / رأس الذقن / الابهام / الحلق / الرأس / العينان / الشعر). وجميعها كانت تحت المجهر أطلق عليها القاص تفاعلات كيميائية فكانت كائنات تتألم، ولتفاعلاتها رواسب حارقة لدى من يملكها.

اما عن استخدام القاص لتقنية الكاميرا فهو واضح في قصة (ملهيات الضجر.. ص 51) حيث تتحول عيناه (وهو جالس على عرشه الخاص فوق سطح البيت) الى كاميرا تصور الاشياء من ثلاثة اتجاهات، يبدؤها من الأسفل فيرصد ما تحت السطح في لقطات بارعة، مثل: (رؤوسا بشرية تلاطم بعضها بعفو سريع الحركة كأنما شيء يركلهم من الخلف كل باتجاه وظيفته.. ص 51)(السيارات وهي تتعارك بالمزامير والغبار.. ص 51)، أما الاتجاه الثاني هو الوضع المستقيم للكاميرا (أي بين الأسفل والأعلى) فيصور الأشياء التي تقابل سطح البيت مثل (طوابير البنايات المتراصة مثل أسنان كبيرة.. ص 52)، ثم ينقل كاميرته الى الأعلى حيث السماء وفقاعات السحب، لتستيقظ ذاكرته عن الطفولة والقرية حتى ينزل من السلالم ويجد نفس (التفاصيل كانت تحوم تحت عرشه الخشبي).

***

وهذه قراءة سريعة لقصص القسم الأول من المجموعة، وهي تسع قصص، التي من بينها خمس قصص ضجت بحشد من الحيوانات والحشرات، فكانت معركتهم مع البشر وخصوصا المسنين منهم في مشاهد ممتعة، مثل (دجاجة، ديك، قط، بطة، ماعز، فراشة، ذبابة،، الخ)وفي المقابل (عجوز وحيدة، رجل مسن، فتاة، طفل..الخ)، وهذه القصص هي: (ظل الريش، قمر السكران، مشهد الفجر، عين الذبابة، وأفعى الغروب).

1- ظل الريش.. ص 9

بداية القصة حب بين عجوز ودجاجتها، وحب بين الدجاجة والديك صاحب الرجل المسن جار العجوز، ولكن النهاية سيمفونية حزينة سببها قط متوحش يستخدم أنيابه لينهش الديك المربوط وبالتالي تموت الدجاجة من الحزن عليه، إذن سبب هلاك الدجاجة وحبيبها هو الحب وحب التملك من جهة العجوز ناحية دجاجتها، القصة تحاول ان تقول انه رغم الحب القابع في القلوب -الحب الخفي – إلا أن البيئة وتقاليدها كفيلة بالقضاء عليه، فالعجوز تعيش وحيدة مع دجاجتها فاتخذتها رفيقة حميمة لدرجة أنها تغار عليها حتى من الأطفال ومن حبيبها الديك، مما يبعث في الدجاجة الخوف والحزن، (لكن الدجاجة تطل من الشرفة المشبكة وتراقب حركات الضيوف وحلقها يخفق من الخوف).. ص 9، والجدار الطيني في القمة كأنه الحاجز الذي يولد الألم والمتعة في نفس الوقت لجميع أبطال القصة، فهو يفصل الدجاجة عن حبيبها الديك، اما العجوز فاتخذته وسيلة استمتاع بالتفرج على تحركات المسن ثم يكون الثقب في ذلك الجدار وسيلة محادثة وتبادل المرح بينها وبين الرجل المسن، اذن هذا الحاجز أليس هو المجتمع المنغلق الذي يحاول أهله البحث عن مساحة ولو كانت ضئيلة كثقب صغير واستغلاله - ولو كان في السر - نحو البوح والمتعة وكشف العواطف الخامدة، إنه الحاجز المر الذي كان سببا في قدوم القط المتوحش الجائع وانقضاضه على الحب.

2- قمر السكران.. ص 12

كأنما نحن أمام مشهد سينمائي عذب أبطاله قمر وبركة وماء وبطة، ثم زائروا البركة يتوافدون ليرسموا دوائر صغيرة وكبيرة ويذهبوا، القمر يحرس بركة الماء من فوق ويمدها بالألوان وكذلك الزائرون، والبطة في بطن البركة ماكثة كأنه محيطها الذي لا تتنازل عنه وفي نفس الوقت ترحب بالمارين، القصة تصور محيطا هادئا، تلعب فيه موسيقى ماء البركة دورا كبيرا، لوحة من الدوائر والكائنات، قطرات عذبة تلطف ذهن القاريء، تحفزه على التأمل لهذا المشهد الشاعري الذي يدور في أحداث سريعة تشبه الحلم، فهل يريد الكاتب أن يقول أن الكل يتجه ناحية الجمال إلا أنه يظل ماكثا في المخيلة مثل مقطع شعري حفظ ذات يوم، ويتبين من خلال هذه القصة مدى حرص الكاتب على بوح ما حفظته مخيلته من مشاهد أعجب بها وتأثر، بوح على طريقته.

3- مشهد الفجر... ص 17

الديك بطل لمشهد الفجر دائما، فهو يصدح في الأعالي فيصطدم صوته مع أصوات أقرانه في الفضاء، إن مشهد الفجر والديك رصد آخر للكاتب وضح فيه انفعالات الديك، إنها عين الكاتب تجذب ما يمكن الكتابة عنه في حالة تفاعله معه.

4- عين الذبابة. ص 21

السارد يتلبس ذبابة أو يجري وراءها متابعا تحركاتها السريعة بين الناس والأشياء، رصد آخر متقن، عين الذبابة هي عين الكاتب، وبالاحرى هناك عينان، عين ترصد تحركات الذبابة ومشوارها وانفعالاتها، وعين أخرى ترصد تحركات الناس والأشياء كالرجل المسن والشاحنة والاطفال والدجاجة وغير ذلك، ومن خلال قصة الذبابة تتوالد قصص اخرى مشوار الذبابة هو الذي يجرنا إليها وتكون هي الرابط بينها، فهي تنتقل من مكان الى مكان ومن مشهد الى مشهد (تقفز الذبابة في جهة المرأة، وتنزلق في دائرة أذنيها) وبعد ذلك.. (تحط الذبابة فوق كتف المسن) الى آخر هذه الانتقالات، وهكذا تظل تنتقل من كائن الى آخر أو من قصة الى أخرى ناسجة بذلك خيوط الربط ، الذبابة كائن يكاد لا يرى، كائن مهمش يداس بالاقدام ويقتل بأصغر وأضعف آلة يمتلكها الانسان، ولكنه له القدرة على أن يخترق بجسده وعينيه كل المنافذ، أن يكشف كل الأسرار البيوتية وغيرها، وكأنما هي كاميرا خفية ترصد ما يمكن رصده، ولكن مصيره هو الموت حينما يكتشف، الذبابة تظل كائنا ممقوتا من المجتمع والبشرية للأسباب المعروفة لدى الجميع، وهكذا كان مصير ذبابة محمود الرحبي هو الموت. أن هذه القصة قابلة للامتداد ونسج قصص كثيرة حولها من خلال رحلة الذبابة واختراقها الاماكن، بمعنى أن القصة قابلة لمشروع رواية، أوليست عين الذبابة في هذا القصة هي عين الكاتب التي ترصد المشاهد؟ وفي هذه القصة تصاوير طريفة، مثل (فوق الممر يهتز كف رجل مسن، مسن وأعرج، تسقط الذبابة فوق ذلك الكتف، المسن والذبابة يمشيان كصديقين شاخصين في الهواء). ص 21. (تحلق الذبابة فوق فتحة الكيس وتنظر، تتوامض ألوان خفيفة في داخل الكيس، ترفع الذبابة جسدها قليلا وتهوى نحو فتحة الكيس..) ص 22.

5-أفعى الغروب.. ص 25

الحيوانات في هذه القصة لم يكن لها دور اساسي، وفي القصة رسالة إنذار للبشرية، هذا الانذار يواجهه الناس بالخوف والرفض والتعنت، فتتم إبادة موصله او ناشره ولا يعرف له أثر.

كانت تلك القصص الخمس في القسم الأول من المجموعة التي اكتظت بالحيوانات والمسنين وبقت أربع قصص.. وهي:الحب الأول، مشهد الغيمة، دموع الحلاقة، حضيض":

1-الحب الأول.. ص 11

الطفل في التاسعة من عمره يحب عجوزا وحيدة، لماذا ؟ ما أسباب هذا الحب؟ القصة بسرعة أحداثها لم تصرح عن إجابة لهذا التساؤل، هو يحبها حتى الجنون، كيف تشكل هذا الحب؟ لدرجة أن والديه يحبسانه طويلا في غرفة كمن اقترف جريمة، إضافة الى أنهما سمحا له بعد أن ماتت العجوز بالخروج وراء جنازتها وبعد ذلك ظل هو يتسلل الى قبرها لزيارته ثمة فجوة في هذه القصة وكأنها – أي القصة – لم تستكمل أو قطع جزء مهم منها، فمشاعر الطفل واضحة وظاهرة، ولكن ما سبب تعلقه بالعجوز بهذه الدرجة من الجنون ؟؟ ما هو نوع هذا الحب؟ أين ملامح العجوز، ماذا عن عاطفتها تجاه الطفل؟ ما دورها في القصة مع أنها تشكل صلب موضوعها، هل قصد من العجوز الوحيدة الوطن أو الأرض المسنة التي سوف تموت لاحقا وتتلاشى، وأطفالها فيما بعد يمشون في جنازتها ويتحسرون عليها؟ هذا مجرد سؤال لا يشبع أي تفسير.

2- مشهد الغيمة.. ص 19

مشهد قصير جدا لرجل عجوز يحدق ناحية فتاة، دون التوغل الى مكامن الرجل العجوز ونظراته تلك، كأنما هي نظرات عابرة بلا أهمية،مثل أي نظرة يطلق عنانها تجاه أي شيء، نظرة دون روح، حتى نظرته للغيمة لم تكن عميقة أو لها دلالة.

في القصة تصوير بديع لعلاقة الفتاة مع شالها الاحمر يجب الاشارة اليه: (الفتاة ترفع الشال، تسيل منه خيوط ماء طويلة، تنهمر الخيوط عندما تلوي الفتاة الشال بين يدها بقوة، ثم تفتحه فيهيج مرفرفا باتجاه الغرب.. ص 19).

3-دموع الحلاقة.. ص 27

السارد هنا رهيف القلب، تأثر كثيرا لمشهد الحلاق. الهندي البعيد عن أمه، فصور ان دمعة الحلاق تسقط في خد السارد قاذفا فيه الحزن أو يعيره دموعا للحظات حتى يشاركه الموقف بينما كان يستمع لشريط أمه ويقوم بالحلاقة له في نفس الوقت. (كانت تسقط فوق خدي أنا المنبسط برخاوة أسفل وقفته الغائمة.. ص 27) المشهد لا يخلو من تكثيف شعري مختزل قد يدمع له القاريء أيضا وقد يتذكر الحلاقين أو أي شيء يتعلق بالغربة والحنين، ان هذا التأثير القصة التي تقتنص مشاهد قد تؤثر من يقرأها وتحقنه برعشة الكتابة.

4- حضيض.. ص 29

حسب تفسيري أن هذه القصة تفضح قسوة المجتمع وما يتبناه من عادات مطبوعة قي قلوب أهله كالتفرقة العنصرية مثلا، تصل الى وحشية لا نتبه لها إلا الفنان الذي يترصد مثل هذا المشهد القصير المليء بخصائص كثيرة، مشهد مكثف وقصير جدا لكنه يضرب في الصميم.

وأخيرا فإن المجموعة تثير أسئلة شتى، إن كان القاص قد حاول أن تكون جميع مشاهده بنية اللون؟ فجاء العنوان مفتوحا، على القاريء أن يبحث له عن دلالات وتفاسير من خلال قصص المجموعة، فهل هناك خيوط بنية اللون؟ هل طفح الطين خارج المشاهد أو داخلها؟ أو تصاعدت جبال قاحلة؟ أم أن الأرض مقسمة الى ثلاث مناطق هي بالأساس بنية اللون، لون التراب، لون ناسها وحيواناتها، طباعهم وسلوكياتهم لا تنم الا عن مناخ هذا اللون الطاغي على بيئة الكاتب ولنا أن نزيد من حرارة السؤال، أين هو اللون البني؟
نشرت القراءة في مجلة نزوى العدد الخامس عشر