الأربعاء، 5 يناير 2011

أين الطريق إلى حيث يسكن النور؟ قراءة في المجموعة القصصية (الطيور الزجاجية) ليحيى سلام المنذري







سماء عيسى




أين الطريق إلى حيث يسكن النور؟





هذا هو السؤال الجوهري الذي تخرج به بعد قراءتك الطيور الزجاجية ليحيى سلام المنذري، وإذا كان السؤال مقتبسا من سفر يونس ، النبي الذي كان ببطن الحوت فإننا نحن أيضا في هذا العالم، كما يدلنا يحيى، نسكن بيوتا من الزجاج مظلمة وداكنة، ليس بفعل افتقاد النور بل بفعل أفتقاد الروح. كذلك تجربة نبي الله كانت البحث، وهو في جوف الحوت، ليس عن نور الشمس بل عن نور الله الذي يضطلع الأنبياء بنشره بين العالمين.




يقدم يحيى شخصياته وقد افتقدت لهذا النور، فعاشت ليس في بيوت زجاجية فحسب، بل في قلوب زجاجية، دون أن تحس وتشعر بألم ما॥ لقد انطفأ بها نور الله وانطفأت بذلك المشاعر الانسانية التي تعيش بها। وفي ذلك يقترب يحيى من جوجول في رواية “الأنفس الميتة”، وهي تجربة بحث عن الحياة الحقيقية خارج الجسد البشري. بل ان اقتراب يحيى من أستاذه جوجول يتضح أكثر في قصتي “الأنف” لجوجول وقصة “الساق” ليحيى . إن الإشكالية التي غرسها جوجول في يحيى أكبر، حتماً هي اشكالية تشيؤ الانسان أي تحوله الى طير زجاجي مثلما يرى يحيى ومعه جيل كبير من المبدعين، الذين التفتوا الى ما تصنعه الحضارة الحديثة في الانسان، ترفعه الى الأمام حقاً، لكنها تفقده روحه، فيغدو كائنا صخريا أو زجاجيا أوما شئنا له من أوصاف تدلل على فقدان أهم ميزة اتت مع الانسان لتحافظ عليه انساناً خلاقاً، ألا وهي القيم الروحية الخصبة المتمثلة في سلسلة من الأفعال التي تبتعد به عن الوحشية والعدوانية والأنانية وغيرها من الصفات التي تنطلق بحرية في الأرض متفجرة معه حالة فقدان الروح.




هذا ما تقدمه على الأخص قصص الجزء الأول خاصة قصة السفاح الذي جاء المنزل مضمخا بالدم ويحمل معه سكاكين الذبح بعد ان مر على منازل أخرى وذبح الكثير من الشياه। كانت القصة ستنتهي نهايتها العاجية التقريرية، غير أن الاضافة الابداعية هي انطلاق غريزة الاعتداء على الحيوان الى اعتداء على الانسان أيضاً. إذ وبشكل تلقائي يهم الجزار بذبح مازن وسط ذهوله. هذا التصعيد هي الرسالة التي قدمها النص، إذ لاحقا لا مانع لدى السفاحين من قتل الأطفال وذبحهم وشرب دمائهم. بل أن التشيؤ يصل إلى مداه الأبعد في القصة التي تليه: “ثلاث زجاجات صغيرة”. إذ يقدم صبي حيواناته المنوية في زجاجات لقاء مبلغ من المال لثري॥ ويبقى السؤال دون إجابة: ماذا يريد هذا الرجل من حيوانات الصبي المنوية؟ إنه يريد الحياة مغلقاً عليها في زجاجات صغيرة. انها القصص التي تبدأ بحدث ما يقوم يحيى بترميزها أي تصعيد دلالاتها واضاءة ما هو معتم ومظلم أمامها ووراءها. لا يمتهن الكاتب التفسير ولا يقدم الحلول أو الاجابات، ذلك ليس من شأنه. الشأن هنا تلك الاضاءات العميقة التي يمارسها الكاتب بهدوء واتقان وتكثيف يبعده عن المباشرة وتسطيح النص ويقدم لنا بذلك نصوصا موغلة في الرمز المضيء وسط عتمة من الأحداث والأسئلة لا تنتهي أبداً. بالطبع هناك الأطفال ضحايا العصر بل وشاهدوه أيضا، الشهادة على انحطاطه تأتي منهم ومن الأمهات جمال الأرض الوحيد بعد اندثار قيمها.




لا يلاحظ الناس فقدانهم أجمل ما فطروا عليه: الحب। ذلك الفقدان يحدث تدريجيا وفي خضم الحياة اليومية وتفاصيلها، تسير الأمور الى نهايتها وكأنها طبيعية حقاً. فقط من لم يدخل في عجلة الحياة التي تطحن الانسان يوما بعد يوم وتحوله الى غذاء سهل للعقم والغرائز العدوانية الدنيئة، هو الذي يبصر مدى الكارثة، وليس هنا غير الأطفال كمازن بطل قصة “الطيور الزجاجية” وناصر بطل قصة “ليلة الخنجر” وأيمن بطل قصة “انقاذ”.




الكاتب يمتهن وبحذاقة بالغة فقط اضاءة لك ما أنت غير قادر على إضاءته، من خلال عيون الاطفال وممارساتهم البريئة। هل يعني ذلك أننا نحن جميعا شركاء في هذه المجزرة؟ وأنني قارئ النص من الممكن أن أكون السفاح في “أي يد ستمسك الحبل؟” أو الثري في “ثلاث زجاجات صغيرة” أو العريس في “ليلة الخنجر”!! بالطبع ذلك ما يود يحيى إضاءته لنا وقوله أن التفتوا الى أعماقكم تجدوا حقاً ما هو مخيف ومقزز. ربما يوقف هذا الالتفات طريقنا إلى الهاوية التي نسير إليها. يوقف طريقنا إلى المجزرة التي نعيشها كل يوم دون أن نعي ذلك. والحق أن سيرنا إلى الموت أرحم لنا حقاً وأجمل وأنبل من كارثة بقائنا طيورا من زجاج.




وفي حالة عقد مقارنة بين ساق منصور ليحيى وأنف كوفاليوف لجوجول نجد أن رمز تخشب ساق منصور جاء نظراً لعدم الحاجة إليه وبأنه أصبح عضواً زائداً في جسمه بعد أن كان أساسيا ، إذ به كان منصور يجلب لقمة العيش له ولأسرته عبر الجري من قرية إلى أخرى حاملاً الرسائل أو عبر العمل باحثاً عن العسل في الجبال। الساق هنا ترتفع وترفض النزول عن إرتفاعها احتجاجا، أي أملاً في الحركة ومن جديد، إلا ان جسم منصور أصبح متهالكاً وإبتدأ يسرد ذكرياته كشريط أمام عينيه، تلك الذكريات التي لعب فيها الساق دور البطل المغوار وأداة الشبق الجنسي وقاهر الأودية والجبال والرمال. ليست هي إذن نهاية الساق فحسب، إنها نهاية الرحلة بأكملها حيث لم يعد لهؤلاء الناس من منفعة على الإطلاق، حلت السيارة محل الساق في الأهمية كوسيلة للتنقل وقطع الأودية والرمال. أما أنف الرائد كوفاليوف فوضعه مختلف حقاُ، إذ ان هروبه الغامض من وجه صاحبه وتحولاته تلك كعسكري بارزة تارة وكموظف استقل عربة سفر، وساعده في ذلك حلاق الشارع الذي يعيش به كوفاليوف ويداوم على الحلاقة به. هنا تحدث هذه التجربة وصاحب الأنف في أمس الحاجة إليه ليس فقط كأداة للتنفس والشم، بالامكان حل ذلك بطريقة أو بأخرى، ولكن للصعود به وعبره إلى المستويات العليا للمجتمع والترقي في سلك الدرك وخوف الانتخابات المحلية وغيرها من الطموحات.




في الجزء الثالث من الطيور الزجاجية، يقترب يحيى من أقرانه العمانيين ممن كتبوا: نصوص التجربة. وهو وصف يطلق على النصوص الذي كتبها مبدعون عمانيون بناء على جرح شخصي أو ذاتي عميق أو صدمة نفسية مفاجئة أتى بها الزمن كعادته ودون سابق أنذار أو حسبان وهز تكوينهم الجسدي والنفسي ولكنه بالتالي قدم لنا هذه التجارب الابداعية المتميزة.
أهمها بالطبع تجربة “مذاق الصبر” لمحمد عيد العريمي، ينضم إليه بعد ذلك عبدالله حبيب في “فراق بعده حتوف” وخليفة بن سلطان العبري في “على الباب طارق” واسحاق الخنجري في “وحده قلقي”।




ما دار ليحيى في يوم للمطر هو سقوطه المفاجئ وذهابه أثر ذلك في غيبوبة لم يفق منها إلا بعد فترة من بقائه بين الحياة والموت، كان مهددا فيها بالشلل التام في المخ خاصة. هذه التجربة قدمها يحيى لنا في نصي “يوم واحد يتلألأ في عيني” و “من جدار أبيض إلى جدار أسود”.
يقوم الكاتب بتقديم تجربته “من جدار أبيض إلى جدار أسود” عبر مشاهد سينمائية كشكل مختلف للكتابة السردية। هي مشاهد أقرب إلى الرؤى الفجائعية، إلى الكوابيس التي تتراءى لمن هو بين اليقظة والموت. وربما المشهد الثالث من عدد المشاهد السبعة عشر هو الأكثر قوة في التوظيف والنفاذ إلى مأساوية الواقع لطفل من الريف العماني تسكن عقرب سامة ملابسه وتقوم بلدغه المتواصل حتى الموت، ومع صراخ الطفل المتواصل لم يجد والداه والطبيب وممرضات المستشفى سببا معروفا لبكائه إلا بعد موته وخلع ملابسه حيث وجدت العقرب ملتصقة بها. أما المشاهد الأخرى والتي استعان الكاتب فيها بتوظيف مشاهد من فيلم الكلب الأندلسي لبونويل وسلفادور دالي فجاءت رغم أهمية التوظيف أقل قوة في مأساويتها من الفيلم الموظفة مشاهده في الرؤى، أعود هنا الى مشهد قطع بؤبؤ العين الذي يقوم به في النص بونويل لعين سلفادور دالي مثلما تراءى في غيبوبة يحيى، في الفيلم كان المشهد أبلغ حيث يقوم دالي بقطع عين الفتاة بوسي إلى نصفين وتضيف قوة المشهد البصري السينمائي انشقاق القمر الى نصفين لاحقاً. بعدها تتابع مشاهد كابوسية في الفيلم غابت عن توظيف يحيى كالمشهد الذي تخرج فيه الديدان من يد الرجل مما يؤدي إلى تعفنها ورميها في الشارع أو تلتقطها لاحقاً امرأة سرعان ما تصدمها سيارة تموت على اثرها الصدمة الى آخر تلك الأحداث الكابوسية التي افتقدت توظيف يحيى. والاشكالية الاساسية هي تقديم بونويل كسادي يقوم بقطع عيني دالي، في الوقت الذي يفترض فيه العكس من يحيى. فمن يفتخر بساديته وحبه للفاشست هو دالي صديق فرانكو وليس الهارب من بطش الفاشت الى اوروبا والسينمائي الطليعي بونويل.




في النص الآخر “يوم واحد يتلألأ في عيني” وهو المكمل للنص السينمائي السابق سيستعين الكاتب فيه بأسطورة طائر الشؤم، والطير هنا وثيق الصلة بتجربة يحيى وهو دوما ما يعطي نصوصه هذا التميز الأسطوري، وبالمرأة كمنقذ حتى في أشد حالات المرض، بالطفولة أيضا، بالقلق الوجودي بالخوف من موت مبكر جراء الصدمة، إنه حقاً نص سردي فجائعي مدهش تتداخل فيه مشاعر الحب والموت، تتداخل فيه أزمنة اليقظة والغيبوبة وتقفز فيه إلى ذاكرة الكاتب ما كان غائبا ومندثراً كأصدقائه القدماء بعضهم يعيش والآخرون رحلوا الى غياب بعيد।




تكتمل هكذا محاور الطيور الزجاجية ليحيى في أجزائها الثلاثة। مقدمة لنا كاتبا مكتمل الأدوات الفنية، ذاهبا بتجربته التي إبتدأت منذ عشرين عاما إلى ألم مخيف يسطر هذه التجربة المتميزة عبّر عنها في تكثيف يكشف عما هو مخيف قادم مستقبلا أكثر عن ما مضى رغم عذاب الماضي وألمه: “أنتهت لعبة المرح وازادد خوفهم، ازداد وما زال يزداد حتى هذا اليوم.”.



ملاحظة: نشر هذا النص في مجلة "البحرين الثقافية" العدد 64أبريل 2011

الاثنين، 29 نوفمبر 2010

خوف العصافير الصغيرة

يحيى سلام المنذري

وكأن المعلم طلب منهم الاستعداد للحرب. وكأنه طلب منهم الابتعاد عن النوم. كما –وكأنه- طلب منهم أن يتذكروا الأحزمة الجلدية ذات اللون الأسود وأن يتذكروه شخصيا بعد سنوات طويلة. وبعد أن يعلن لهم بكل صراخه بأن الغد هو مخصص لتسميع جدول الضرب تصبح أمنيتهم الوحيدة هي أن لا يأتي الغد. وبعدها تطير العصافير إلى أعشاشها منفطرة القلوب.

في اليوم التالي جاء المعلم بابتسامة صفراء لأنه بعد قليل سيبدأ بالاستمتاع بمجموعة من العصافير حبست في قفص إسمنتي. سينتف ريشهم. سيبتهج، وستزداد شهرته وشهرة حزامه الأسود وبث رعبه بين الطلبة.

قال "جلوس"، فجلسوا.
قال "وقوف"، فوقفوا.
قال "جلوس وقوف"، جلسوا، فوقفوا، فجلسوا. وقد كرر هذا الطلب عدة مرات.

كان يبتهج بهذه اللعبة اليومية، لعبة الجلوس والوقوف، بعضهم أحبها وبعضهم عرف بأنها ليست إلا تمهيدا لمسرحية الجَلد، يشعر المعلم بأنه المسيطر على كل شيء، ويمسك كل شيء، فهو لاعب منتصر وبذلك تحولت العصافير الصغيرة إلى دمى، أخذ يلعب بها حتى يحين موعد تكسيرها. ما الذي يريد فعله؟ هل يريد في بداية الصباح أن يصطادهم بسنارة المرح؟ لكنه ما لبث أن زأر وقال “ يا بهائم.. حفظتم جدول الضرب؟.. كما قلت.. الذي لم يحفظ سيأكله هذا الحزام”. ثم كوّر كف يده وضرب بها الطاولة. وكان الصمت والخوف يعبثان بقلوب العصافير الصغيرة. لم يجرؤ أحد أن يتفوه بحرف واحد حتى لو حفظ الجدول مئة مرة. عدا عصفور واحد كان يجلس في آخر الصف فاجأ الجميع بضحكة غريبة. اندهش لها الأسد وصوب له نظرات حادة كالسكين حتى قطعت ضحكته البريئة.

بدأت العصافير المرتعشة تتابع يدي الأسد ذواتي المخالب والعروق النافرة، يدان تتحركان وتمسكان المعدن الذهبي للحزام الأسود. تفتحان المعدن الذي حرر الحزام من وسطه وتحول إلى أفعى، لف رأسها بين كف يده اليمنى. العيون الصغيرة ذبلت وقلوبها تحاول الطيران إلى بيوتها. مشى ببطء الى آخر القفص، وبشكل مباغت وجّه ضربة قاسية إلى العصفور الذي كسر خوفه بالضحك. صرخ بحرقة، أما بقية العصافير فبلعت صراخها وطارت قلوبها أمامها. بعد ذلك سحبه من دشداشته ورمى به خارج الباب. تكور مثل حشرة مهروسة لا تستطيع حتى أن تئن. بعدها لمحه الجميع يمشي مطأطىء الرأس والجدران تتقاذف بكاءه. ازادد خوفهم مع كل دقيقة تزيد في أعمارهم.

انتهت لعبة المرح وازداد خوفهم. ازداد وما زال يزداد حتى هذا اليوم.
كاد الغضب أن يخرج مارده من داخل القفص، لكن ولحسن الحظ تم إخفاؤه. كانوا بحاجة إلى التنفس لكنهم لم يستطيعوا.. كانوا بحاجة إلى شيء لينسوا ولو للحظة هذا الخوف المنتشر هنا الذي لا يعرفون متى سيبتعد عنهم ويجعلهم يهنؤون براحة المعرفة.



(من مجموعة "الطيور الزجاجية"-2010- الصادرة حديثا عن دار نينوى بدمشق)


الاثنين، 13 سبتمبر 2010

دمية

يحيى سلام المنذري
(من قصص (رماد اللوحة) 1999 – دار المدى –دمشق)

تقذفه الغرفة كي يغطس في لهيب الشمس الحارق ويمشي الى عمله. بعد ذلك تتمتع هي باللعب مع حشرات ملونة، تحب الغرفة أن تلعب به كدمية، تخلع له ملابسه، تحممه بحرارة الشمس، توخزه بالبرد، ترقده على سرير متآكل كطفل، تمشي الحشرات فوق جسده، تفزعه بقطط تخرجها له فجأة من تحت السرير، تلقمه قصصا لا معنى لها، تزجه في ليل كئيب مؤرق، تتمتع بكل ذلك، هو دميتها الوحيدة.

* ما هذا.. الى متى تظل دمية في يد هذه الغرفة التعيسة..؟
*دعني.. دعوني..أريد فقط أن أتحول الى فأس لمدة دقيقة واحدة.. دقيقة فقط.. ..دقيـ يـ يـ قة.

الأربعاء، 8 سبتمبر 2010

رماد اللوحة

يحيى سلام المنذري
(هذه القصة نشرت ضمن كتاب "رماد اللوحة" والمنشور في عام 1999 عن دار المدى بدمشق.)

بدايتك فجر وماء
يأتي الفجر..وأنت يا سلمان لم تنم بعد، خواطر غامضة تراودك... تتشكل بسرعة في أحداث متوالية غير مترابطة، عن الليل والفجر والبيوت والطفولة وعن أشياء أخرى كثيرة. الفجر يذكرك بالماء البارد.. والماء يذكرك بالسوط، عندما كنت طفلا كان أبوك يرشك بالماء البارد في وجهك قبل أن يحل الفجر بدقائق.. يصرخ:(الصلاة خير من النوم)، صراخ حاد وماء بارد، وينتصر الماء، يتحول إلى غيمة تداعب وجهك الصغير، المؤذن لم يؤذن بعد والليل ما زال بظلامه الكثيف. تقوم من الفراش متثاقلاً.. تشم رائحة خبز (الرخال) الممزوجة برائحة الخشب المحروق.. فتعرف أن أمك تخبز في ذلك الوقت وأنها تدعك عينيها بلحافها بسبب خيوط الدخان التي تتسلل كي تزعجهما بالحرقة. يزجرك أبوك كي تتوضأ لصلاة الفجر من ماء (الفلج) الذي يبعد عن بيتكم مسافة عشرين شجرة ليمون وثلاثين نخلة، هكذا أحصيتها حينما بدأت تتعلم العدّ. عندما تصل الفلج تلفظ أنفاسك، تشاهده طويلاً جداً... كثيراً ما فكرت في نهايته أين تكون، ماؤه يبدو مثل جلد ثعبان منقوش، لأن صخوره الماكثة في قاعة متنوعة ومختلفة الحجوم، هكذا فكرت أن الفلج ثعبان طويل لا تعرف أين رأسه، يزحف حاملاً الماء حتى يدخل بطن الجبل ويمر على قرى كثيرة مختلفة.عند الفلج كثير من رجال القرية جاءوا للوضوء وتأدية الصلاة في المسجد الطيني الصغير القريب من الفلج، كانوا يبتسمون لك من بعيد، يلوّحون لك بأيديهم مرسلين تحيتهم، وتسمع صوت أحد رفاقك يقول لك: (هاه.. سلمان كيف حالك لا تنسى اليوم موعد المباراة). وصوت آخر يداهمك من حنجرة جاركم بينما كان يهم بغسل فمه: (سلمان كيف حالك كيف حال أبيك؟). كنت ترد عليهم بتثاقل لأن النعاس مازال يداعب عينيك، تفكر أن الماء سوف يبلل كل أهل قريتك وسوف يغسلهم من كل شر ومن نفس هذا الماء يصنع أبوك سوطاً بارداً ولاسعاً يجلد به نومك.أراك يا سلمان تحن كثيراً لذاك الزمن، زمن فجر القرية في طفولتك، كلما تذكرته تصاب برعشة حمّى وحزن، لم تكن تعلم في ذاك الوقت أن ذلك الفجر ورائحة الخبز تلك تبعث فيك النشاط وصفاء الذهن والانتعاش وخصوصاً بعد أن تؤدي صلاتك، رغم مطالبتك بحرية الأطفال وكسر تسلط الآباء على أبنائهم، ها قد حدث الفجر من جديد، لكنه هذه المرة ليس في القرية، بل هنا بين هذه البيوت المتراصة والمختنقة حيث لا يوجد ماء يلسعك وينتزع نومك وحيث لا تشم رائحة خبز أمك ولا تعد الأشجار والنخيل وقت ذهابك إلى الفلج. أراك تبحث عن فجرك القديم.

أنت ورنين الجرس
رنين الجرس صوت رنين الجرس شبح مؤذ، كل الأشياء الجميلة ليست موجودة، كل شيء موجود ليس مثل رنين الجرس، الحب مثلا غير موجود، ليس عند الجميع، وإنما عندك يا سلمان، أنت الجالس على كرسي خشبي مثل قط خجول ووجهك يلمع بؤساً وغربة। الكرسي الخشبي تجلس عليه كل يوم كي تتحمل رنين الجرس، وإن تأمل أحد وجهك سيتذكر أن المطر لم يسقط منذ زمن بعيد وسيتساءل ألا تستحق أن تتذوق طعم الحب، أليس مهماً أن يظهر شخص مثلك لهذا الوجود، وأنت جالس على الكرسي في مبنى عملك تترقب رنين الجرس الذي يأخذك إلى المسؤول كي يرهبك بأوامره الساخطة، عندها تحترق وتغدو كتلة رماد، فالمسؤول جلاد يتلذذ بلحمك، وأنت مراسل خجول، حينما تتسلم المراسلات تحتفظ بها في يدك وصدرك خوفاً عليها من الضياع، والمسؤول يصنع كل يوم سخريات جديدة يلبسها لك، ليس المسؤول وحده وإنما كل الموظفين، جميعهم يعتبرونك ورقة بالية.رنّ الجرس... تستيقظ من غفوة قصيرة كنت تتأمل فيها خطوط السقف المشبعة بألوان باهتة ..طرقت باب المسؤول وفتحته ودخلت.. وبمجرد أن رآك، قال لك:(تعال يا قرد.. لا أعرف أي امرأة ستقبلك زوجا). تسقط كرامتك بين قدميك.. تتشظى إلى ألف قطعة وقطعة ... يحمرّ وجهك.. لا تقدر أن تفعل شيئاً سوى حبس أنفاسك وكظم غيظك خوفاً على وظيفتك الرخيصة. بعد ذلك تجلس على كرسي العقاب تنتظر بقية الموظفين، منهم من يضربك على مؤخرة رقبتك، وآخرون يضربونك على ظهرك أو رأسك أو كتفك أو أماكن أخرى، وأنت ترتعد في كل مرة، روحك تأتي وتروح، تقفز عالياً، تتألم وتبكي، تسيل دموعك، تقول في رجاء وحسرة: (ماذا تريدون مني.. دعوني .. دعوني). يفتحون أفواههم كي تظهر أنيابهم التي زرعها المسؤول لهم، يربتون على ظهرك، يقولون لك: (ما بك سلمان... إنها مجرد مداعبة). تجمع في فمك بصقة كبيرة، لكنك تبتلعها في جوفك، كنت تتمنى أن تقذفها في وجوههم بمن فيهم الكرسي والجرس، ولكنك تخاف، شيء ما يشل تفكيرك عن القيام بأي فعل أحمق، أبوك وأمك وأخوتك في القرية ينتظرون قدومك عند نهاية كل أسبوع.تتحس ثيابك وذقنك وأنفك وعينيك، توقن أنك رخيص وتتمنى في كل لحظة أن تعود إلى بيتك في القرية للبحث عن عمل، قصدت أحد رفاقك ممن يسكنون المدينة وسكنت معه مؤقتاً، تتذكر الشمس التي صهرتك أياماً كثيرة وأنت تبحث عن عمل، قدماك تورمتا من أثر المشي الطويل، بكيت كثيراً في الليل متذكراً عيني أمك وقريتك والفلج والمسجد الصغير، نصحك أبوك بالصلاة دائما ً وبغض بصرك، وبعد مدة طويلة وجدت هذا العمل كمراسل خجول تحمل الأوراق من مكان إلى مكان وبعض الأحيان تعمل فرّاشاً للمسؤول، كل ذلك بسبب تركك المدرسة مبكراً، وأنت تعرف سبب تركك لها، فقدت شهيتك للدراسة بسبب المعلمين الذين يشكلون أشباحاً مختلفة الحجوم، فقط هناك معلم الرسم الذي ارتحت له لأنه يشجعك كثيراً خصوصاً وأنه اكتشف لديك موهبة الرسم، وبالطبع أنت لا تنسى المعلم الذي شد شعر رأسك ذات مرة حتى اقتلع بعضاً منه وبعد ذلك ضرب برأسك في الطاولة، ولا تنسى المدرس الذي يأتيك في الأحلام حاملاً في يده سكيناً يريد ذبحك، وهو نفسه يزجرك وينعتك بالبغل كل صباح، وكل مرة تخبر أباك عن كل هذه الأشياء يزيدك ضربا وزجرا، وحبنما ابديت له رغبتك بترك المدرسة رحّب بالفكرة واقترح أن تذهب إلى المدينة كي تعمل مثل بقية شباب القرية ليشاهد فيك الرجل الذي يعتمد عليه، تتذكر أن أباك يصلي ويصوم وأنه فكر في الحج مراراً لولا الديون التي عليه، وفي الوقت نفسه تتذكر أن أباك تزوج مرتين والآن يكره أولاده من الزوجة الأولى ولا يسأل عنهم أبداً ويعتبرهم مثل أعدائه، وفي كل مرة يزورونه فيها يزم شفتيه، وتتذكر أيضاً أباك الذي يلتهم العسل والتمر ويشرب القهوة تحت شجرة البيت كل صباح ولا يحب أن يفعل ذلك إلا بسرد قصص الناس وتغليفها بالشتائم، تتذكر أباك جيداً منذ أن كان يرشك بالماء وقت الفجر.

صباح المدينة
صباحك في المدينة صباح لئيم، غرفتك التي تعيش فيها لعبة توقن أنها يوماً ما سوف تتلاشى مع الرياح، تتحسر على باب الحمّام الذي تهشّم فجأة، صار الحمام عارياً دون باب، تتساءل كيف يكون الحمام دون باب وقد انكشف كل شيء في داخله، وساخة أرضيته، حنفيته العجوز التي بالكاد تلفظ قطرة ماء، نافذته الصغيرة المتشققة والمشبعة بالغبار، صراصيره التي تشكل جيشاً يتدرب ليل نهار، الصابون المبعثر على الأرضية، معجون الأسنان المفتوح الفم، المرآة الصغيرة التي تحمل شقاً على شكل رقم سبعة. وهكذا صار الحمام عارياً، إن طلع أحدهم فوق الأسطح المجاورة لغرفتك فسوف يكشف الحمام، أراك تتحسر، توقن أنه لا يمكن أن يستمر الحمام دون باب، بعد ذلك تتأمل جدران الغرفة وتتحسسها، نبضاتها تتدفق ببطء شديد.صارت مثل أي كائن حي يلهث بصعوبة، يا لهذه الجدران كثيراً ما تصدعت، كثيراً ما تلقت طعنات المسامير في لحم أجسادها، التهمتها قسوة الأيام، تتخيل أي رصيف سوف يبتلعك بعدها.وصباحك صباح لئيم يركلك كل مرة خارج الغرفة كي تظل تتدحرج في الشوارع حتى يجلسك على الكرسي الخشبي في مبنى عملك وتنتظر عندها رنين الجرس، ورنين الجرس صوت ذئب جائع، تتذكر صبايا قريتك حينما يخرجن للفلج لغسل الأواني، كان قلبك يخفق وتشعر براحة حينما تنظر إليهن، ووجدت نفسك تحب المرأة والرسم، وتمقت شكل النقود ونظرات الناس، دائما ما تشعر بحرارة غريبة تسري في يدك تحفزك على أن تمسك القلم وترسم طيوراً تحلق بعيداً عن الأرض، ترسم نساء جميلات وحدائق زهور وأشكالاً هندسية، كنت في طفولتك ترسم بقطع الفحم على جدران البيوت أشكالاً غريبة جدا ليس لها وجود، أشكالاً تبتكرها وكأنها سوف تتحقق في سنوات قادمة، بعد ذلك بدأت الرسم على الأوراق، مرة رسمت شجرة أوراقها سوداء وثمارها رؤوس دامية، وتبدو الشجرة في اللوحة أكبر من المدينة وغائرة في سماء مليئة بالغربان وطيور أخرى غريبة الأشكال، وبعد رسمك لها تمعنت فيها جيداً مما أثار في نفسك الكثير من الأسئلة لأنك رسمتها بعد يوم كئيب وحارق انتهت ليلته بكوابيس كثيرة، حاولت بكل قوتك أن ..أن تنادي أمك كي تحضنك وتقرأ عليك آيات من القرآن الكريم تحفظك من كل سوء، لكنها بعيدة عنك في القرية، وفي الصباح اكتشفت أنك رسمت هذه اللوحة، ولم تستطع أن تتذكر بداية رسمك لها، ومرة رسمت أشكالاً هندسية مختلفة تتطاير في فضاء اللوحة ويطير معها طفل يمسك بيده طائرة ورقية على شكل غيمة ذات وجه مبتسم، ومن الغيم تمتد دوائر حلقية متصلة وتهبط منها مثلثات، وكان الطفل – على ما يبدو في الرسم – يرتفع ويبتعد عن المدينة التي كانت تحته على هيئة غيوم سوداء غائصة بين الجبال.دائماً ترسم وقت جلوسك على الكرسي الذئب، مرة شاهدك أحدهم ووقف خلفك يشاهد ما ترسم دون أن تشعر بوجوده، خطف منك اللوحة، وقال لك: (جميل جداً... لم تقل بأنك رسام موهوب... رسمك جميل). شعرت يا سلمان برذاذ يسري في عروقك، هو رذاذ اللذة التي نادراً ما تتذوقها، كنت الوحيد الذي يهتم بلوحاتك، رأي الموظف انتشلك بعيداً نحو كل شيء مبهج، لكن ذلك الشخص لم يدع الفرحة تستمر لفترة أطول فقد رقص باللوحة وصرخ بأعلى صوته: (تعالوا تعالوا لدينا هنا ..رسم امرأة..تعالوا.. سلمان يرسم)। تغضن وجهك، حضرت وجوه بالية تطلق ضحكات سخرية، مدَ كل واحد يده ليدغدغك، فتحولت على الفور إلى كرة تقاذفها الجميع وكادت ثيابك أن تتمزق، صمت الجميع وانصرفوا كاتمين ضحكاتهم ليفجّروها في مكان آخر، صرخ المسؤول في وجهك وقال: (وأيضاً رغم كونك زبالة... فأنت قليل الأدب والتربية.. هذه الأشياء لا ترسم في هذا المكان المحترم.. سوف أكتب عنك تقريراً بذلك). ومزق اللوحة فوق رأسك وأمرك أن تجمعها كي ترميها في القمامة، تيبس كل شيء فيك، حاولت أن تصرخ وتلبس أنياب الشر كي تحفر الجدران وتصل إلى كل ذئب، رنين الجرس انتشلك من جمودك، أخذت تجمع فتات اللوحة بيدين مرتعشتين كي تشاهد صندوق القمامة يفتح لك فمه ويضحك.

طين يابس
تقف على الطين اليابس، تتذكر نفسك، تقضم أصابعك، عمرك مرّ من أمامك سريعاً مثل الضوء ولم تحادث امرأة غير أمك، لم تنل طعم الحب، لم تلمس يدين ناعمتين، لم تتأمل في عينين واسعتين، لم تطرب لهمسات رقيقة، فقط هو الصباح اللئيم الذي كان يهزأ منك ويركلك ناحية ।مر العمر من أمامك، سكنك الجوع، سكنك الخوف، حينما شاهدت البحر أول مرة قفزت الى قلبك روح جديدة وصديق جديد، فأصبحت تسعى إليه كي تخفف من جوعك، قال لك أبوك غض من بصرك، وهو الذي حينما يشاهد امرأة يسيل لعابه، وها أنت تنظر في الأجساد الأنثوية وتنظر في البحر، كل هؤلاء النساء يمررن من أمامك ولا تجرؤ على محادثة إحداهن، وحينما صرحت لأبيك عن رغبتك في الزواج، نهرك بأن تجمع أولاً المال، والمال في هذه المدينة يذوب بسرعة مثل الثلج تحت هذه الشمس الحارقة، منذ أن كنت صغيراً والأسئلة تتقافز في رأسك حول ذلك الجسد الأنثوي، لماذا يشدك ناحيته بقوة، أي جاذبية ساحرة تلك التي تحطمك، أي تقاسيم عجيبة لهذا الجسد الأملس الناعم، بدءا من شعر الرأس المنسدل حتى الظهر، والصدر السحري، والخصر، والساقين، واليدين الناعمتين، كل هذه التقاسيم تلعب برأسك.إلى متى تنتظر رنين الجرس؟
تجمع الذئاب
حطت ليلة السخط على رأسك ياسلمان، زأرت كالأسد، هشمت نومك، وبقدميك النحيلتين رفست الجدران وختمت عليها علامات الغضب، فتحت نافذتك التي تطل على شارع مظلم، رأيتهم جميعاً كالذئاب، كل واحد يحمل شعلة نار، وبينهم جميع النساء اللواتي راودنك في أرض أحلامك।تجمعوا في ليلة السخط تلك أمام غرفتك الصغيرة، نشروا ضحكاتهم وسخرياتهم بين نارهم المتوهجة، أطلقوا صيحاتهم كي تنغرز في رأسك وتوقظ فيك الوحش الخامد وتقشع صمته، كانوا كثر يرشفون أنفاس النار ويتآمرون عليك، من الذي أرسلهم إليك، كيف تكوّنوا هكذا مثل زوبعة غبار مؤذية، أي رحم قذفهم إلى هنا. نزلت إليهم غاضباً.... وقفت أمامهم متحديا..وقلت:(ماذا تريدون مني..دعوني وشأني॥ أنا لا أحب أحدا منكم). ضحكوا، حتى امتلأت الأرض بضحكاتهم، وبصقوا، حتى امتلأ وجهك ببصقاتهم، وأطفأوا شعلات نارهم حول قدميك. عدت طفلاً من جديد أمام حفر الحياة وكائناتها، حينما لم تكن قادراً على حمل حقيبة المدرسة، حينما رُكلت خارج القرية والمدرسة، حينما لم تكن قادراً على مطاردة القطط والوقوف من بعيد للتفرج عليها، حينما كان أبوك يمتهن جمع الأخشاب كي يكسرها على ظهرك. قلت لهم بخوف وحزن: (سوف أقتلكم جميعاً). كثرت ضحكاتهم وسخرياتهم، قذفوك بكرات طين رطب، عبأت صدرك بخيبة الحياة كلها، الليل زفر فيك روح الفشل، توهج الغضب أكثر في جسدك الضئيل، شحنت القلم بضحكاتهم وبصقاتهم وأشكالهم المقرفة، رسمت وجوههم أكثر بشاعة، رسمت الليل سيدهم، رسمت أمهاتهم الخطيئة التي لا تغتفر، رسمت أباءهم أفاعي تحرضهم على إقتراف الإثم، رسمت أجسادهم معلقة على حبال الهزيمة، وفمك يعجن بصقة كبيرة تتهيأ لقذفها ناحية وجوههم، تتساءل أي كراهية هذه التي اشتعلت في جسدك، أي حقد تكون، أي لوحة تخلق الآن.مازالوا في الخارج يراقصون بعضهم البعض، ويخدعون سيدهم الليل الذي يخبئهم تحت إبطه العفن، وأنت تنفث في اللوحة سر وجودهم. إسترخيت على المقعد واللهاث يتطاير من فمك، لم يعد في قلم الرصاص روح سوى سواد علق في أصابع يدك، قمت بتغطية اللوحة بقماش أسود، هدأت قليلاً. ثم بكيت بمرارة، اشتهيت نهر الطمأنينة أن يغسل روحك وجسدك، ويرقدك في سلام تحت ظل شجرة مثمرة أو وسط حقل زهور، حدقت في السقف طويلاً، إلى أن جاءت الشمس واخترقت زجاج نافذتك، كي تعطيك صباحاً لئيماً وثقيلاً يحمل لؤم وثقل جميع الصباحات الماضية، تنبهت من غفوتك، قمت متعباً، أزحت القماش الأسود من على اللوحة، افترسك الفزع، كان كل شر العالم يجتمع في تلك اللوحة، كان الليل يلّمع أنيابه ويوسخ إبطه بأولئك الذئاب.أشعلت عود ثقاب، فركضت ناره تلتهم اللوحة، احترقوا جميعهم وصاروا رماداً. إذن ليتجرأ الصباح مرة أخرى أن يركلك ناحية الشارع، وليتجرأ مرة أخرى هذا الجرس أن يعلن عن شبحه القاتل، سوف ترسم لوحات كثيرة وتحرقها كي ترتاح من الجميع، ماعدا لوحة أمك.

السبت، 10 يوليو 2010

القطط الزجاجية

يحيى سلام المنذري

أدخل جميع البطاقات وبدون ترتيب في الخزانة المكسورة، أمسك كأس الماء المتشققة وارتشف منها، نفض غطاء السرير، وألقى جسده على الفراش، كان قلبه يخفق، اعتبر نفسه لا شيء، وأكد على ذلك وهز رأسه، حاول أن ينام لكنه لم يستطع. نهض مرتجفا وقرر أن يتناسى موعد الغد ومحاولته السادسة والعشرين في البحث عن وظيفة، فكر: لماذا كل هذا الألم الآن؟ تأمل في حياته المعجونة بالقلق.. راجع نفسه وقال بأنه لا جدوى من التفكير في الألم أو مصدره.. لا جدوى في التفكير فيه إذن.. حاول فعلا أن يتجاهله.. وفي الوقت نفسه فكر في الحياة وأنها تمضي وهو يذوب فيها.. انفجر حزنا وفرحا.. ما جدوى أن يتألم؟
***
استيقظ مبكرا. حمل أوراقه، كنزه الثمين، فهي التي ستقوده إلى الوظيفة المناسبة. تذكر بأن وقت المقابلة ما يزال بعيدا. قرر أن يمشي على الشاطىء قبل أن يركب المايكروباص ببضع ساعات، مشى على حجر صف بعناية، على يمينه سجادة فضية مرصعة بسمك السردين اليابس، رائحتها جميلة، أجساد ووجوه تمشي باتجاهه وتتجاوزه، التقط كلمة أو تذمر أو ضحكة حلوة من هنا وهناك، سجل في عقله تعابير الوجوه المختلفة، كل شخص يحمل هذيانه وأفكاره وهمومه، ليته يعرف ما يدور بخلد كل واحد منهم، لكنه يفكر: “ما الفائدة التي سأكسبها؟” التفت إلى ناحية جبال مسقط الشامخة، وأطلق سؤالا له رائحة البرودة: ماذا لو تحول فجأة اللون البني للجبال إلى لون الحليب؟ وضع أوراقه التي كان يحملها على مقعد يواجه البحر واتجه لمساعدة بعض الرجال في سحب قارب من عمق البحر الى الشاطىء، وكان القارب مليئا بسمك السردين الذي يتقلب في شبكة خضراء. وبعد أن ساعدهم اكتشفوا بأنه غريب عليهم، فحاولوا إمساكه ورميه في البحر، وهو ليس له دراية بالسباحة، لأن أباه لا يعرف السباحة ولا الرماية. وتعجب لماذا حاولوا رميه في البحر رغم أنه قدم لهم المساعدة؟ أخذ يقاوم حتى نجح في الهرب. وبينما كان يركض سمعهم يضحكون بصوت عال كأنهم دخلوا الجنة. وبعد مسافة ليست بقليلة توقف واتجه برأسه ناحيتهم ولهاثه يكاد يقتله، شاهدهم يصطفون بجانب بعضهم ويركعون ويسجدون في صباح له رائحة الخبث والسمك.
***
خرج من المايكروباص ونظر إلى البناية ذات الأدوار العشرة، وتأكد من العنوان في ورقة صغيرة ضمن أوراقه التي كان يحملها. حمله المصعد إلى الدور الرابع الذي توجد فيه الشركة صاحبة الإعلان عن الوظيفة. لم يجد لافتة تدل على الشركة، كل ما هناك ثلاثة أبواب مغلقة ومتجاورة، توقف قليلا وسأل نفسه: "أي باب غرفة يخص الشركة؟" طرق الباب الأول فلم يجد استجابة، مد يده وفتحه بهدوء وتفاجأ بوجود مجموعة كبيرة من القطط الملونة تحدق فيه. هكذا بدون أن يتوقع – ولا أي إنسان آخر يمكن أن يتوقع- يهم بفتح باب غرفة للبحث عن شيء معين ويصعق بمشهد آخر.. هكذا بدون مقدمات شاهد غرفة مملوءة بقطط صامتة وواجمة، لم يسمع صوتا، كأنها دمى، بعضها جامد وبعضها الآخر يتحرك، لكنها لم تحاول أن تهرب من الباب، انتابته رعشة سرعان ما تحولت إلى خوف، وبدون تفكير أغلق الباب بقوة وركض متجاهلا المصعد إلى ناحية السلم وصادف امرأة جميلة تصعد السلم، لم يعبأ بها رغم جمالها، ثم وجد نفسه في الطابق الأرضي وبعدها خارج البناية، ثم ابتعد قليلا عنها ودخل إلى مقهى يقع مقابلها، جلس إلى طاولة كمن يستنجد بأي أحد ليهدىء من خفقان قلبه وليريح قدميه المرتعشتين، لم يتمكن من سماع صوت النادل وهو يسأله عن طلبه، فقد تجمد للحظات. وحينما لاحظ النادل شروده انسحب من طاولته وذهب إلى أخرى. بدأ يحدق في البناية مستحضرا مشهد القطط، وتنبه إلى أنه نسي أوراقه هناك، وتذكر بأن شهادته الجامعية الأصلية من ضمن الأوراق، فكر إن كان ذلك المشهد مجرد خيال فقط، جاءه النادل مرة أخرى، حينها سأله على الفور: “أليست شركة المبادرات العالمية هناك في الطابق الرابع في هذه البناية” أجابه النادل على الفور وقال: “لا أعرف.. ربما.. ماذا تطلب؟”. نكس رأسه وأحس بخيبة كبيرة.
***
مات أبوه قبل أن يفرح بدخوله الجامعة، وعندما تخرج في الجامعة ماتت أمه قبل أن تفرح بتخرجه. وأثناء الدراسة أحب فتاة جميلة، لكن أباها أرغمها على الزواج من ابن عمها فاختفت من أمامه فجأة واختفت أيامها الجميلة حينما كان يلتقي بها في أحد الفصول الدراسية بعد المحاضرات حيث كان يقتات الحنان والابتسامات والغنج والصوت الناعم ونظرات دافئة من عينين ساحرتين، تلاشى الحب مثل غيمة كانت مملوءة بالمطر فأجهضته وانفجرت كالبالونة. كان كلما يتذكر تلك الفتاة يضرب بيده على جبينه ندما لأنه لم يحاول يوما أن يلمس صدرها واكتفى بلمس يديها وها هي اختفت وتخرج هو في الجامعة وماتت أمه وأصبح وحيدا.

اتجه الى خزانة ملابس مكسورة الباب حيث فتش بين أكوام أوراق وكتب مغبرة، فانتشل بطاقات عديدة كتب فيها جميع مواعيد المقابلات بشأن الوظيفة في الأشهر الماضية، ووضعها أمامه مرتبة على الأرض كمن يريد أن يتهيأ للعب بالورق، كان عددها خمسا وعشرين بطاقة جمعت خلال عام كامل وتوزعت معلوماتها بين قطاعات حكومية وخاصة، حدق إليها وضحك بتعب، كل تلك الهرولة والاستعدادات لم تجد نفعا، كل تلك المحاولات أصابها الفشل، كأنه يتخيلها شريطا يمر أمامه في فيلم سينمائي، ويشعر بالتعب من التحديق المستمر فيها، حاول أن يحلل ويستنتج لكن التعب غرز رأسه، مشاهد طفولته تمر فجأة في رأسه، مشاهد بعيدة في بطن تاريخ مغبر، لكنه يبعدها عن رأسه وبالطريقة التي اعتادها حينما يريد إبعاد فكرة أو مشهد من رأسه بأن يضرب بيده على جبينه بقوة لاعتقاده بأن لسعة الألم تلك كافية أن تهشم كل شيء. قام وشاهد نفسه في المرآة.. ضحك وغمز وصفر، ثم اكتئب، اكتشف بأنه لم يتقن عملية التمثيل، اكتشف بأنه ضعيف.. ضعيف لدرجة أن الأشياء البغيضة تغلبه بسهولة.. اكتشف بأن له طبيعة هشة مثل رقة القوارير.. نفحة هواء تستطيع أن تسقطها وتنكسر.
***
قرر أن يصعد مرة أخرى إلى تلك البناية على الأقل ليجلب أوراقه التي نسيها هناك وربما سيتأكد من وجود الشركة وأن ذلك المشهد ليس إلا محض تهيؤات. خرج من المقهى وترك النادل في دهشته وقد لاحظ بأنه لا يوجد أحد في مدخل البناية والمصعد وحيد هناك، دخل من جديد إلى المصعد وصعد إلى الطابق الرابع ليجد أن الأبواب الثلاثة ما زالت مغلقة لكن أوراقه لم تكن هناك، حدق في الممر لكنه لم يجد شيئا. كان الممر غارقا في هدوء مخيف، أخذ يكلم نفسه “أليس أحد هنا؟ ربما أحدهم أخذ أوراقي وستدخل تلقائيا ضمن المقابلات” قرر أن يفتح الباب الثاني، ومد يده وفتحه فوجد قططا زجاجية تحدق إليه بعيون كريستالية ملونة، كان عددها كبيرا، لكنها هذه المرة لا تتحرك، ظل ماسكا مقبض الباب، كان واجما يحدق ويقرأ الغرفة ذات الجدران البيضاء، ولم يجد غير ما شاهده، أغلق الباب وقد كان خوفه هذه المرة أقل بكثير من السابق، بحث من جديد عن أوراقه في الممر لكنه لم يجد شيئا. قرر أن يفتح الباب الثالث. تردد في بداية الأمر، فكر أن يرحل وألاّ يعود من جديد إلى هنا، سينزل ويجلس في المقهى ويطلب شايا مع الحليب ويمحو من ذاكرته هذا اليوم. لكنه تذكر شهادته الأصلية وأنها هي منقذه من حالة البطالة هذه، ماذا يفعل؟ سيفتح الباب الثالث. وربما سيجد لجنة المقابلة حسب الإعلان الصادر. مد يده وفتح الباب فلم يجد هذه المرة القطط، وإنما وجد أبوابا زجاجية معتمة. خفق قلبه من جديد وتذكر بأن الوقت يمضي وأنه لم يعمل حتى الآن والأبواب تتكاثر والقطط في الغرفتين المجاورتين لا يعرف سرهما. وقرر ألاّ يعود إلى بطاقاته وأنه سوف يهشم هذه الغرف وسيظل يبحث عن أوراقه مهما كلفه ذلك من ثمن.


ملاحظة: الصورة في الأعلى نقلت من ((http://www.flickr.com/photos/livingglassart/3274757676/))

الخميس، 10 يونيو 2010

يوم واحد يتلألأ في عينيَّ

يحيى سلام المنذري

على ما يبدو كانت سقطة مدوية، هناك رأس تحول إلى مصباح يضيء ويظلم، يضيء على مشاهد وكأنها خيالية في عالم سينمائي، ويظلم على سواد وكأنه نوم قصير. كأن زوجتي تصرخ، كأن هناك مطرا يهطل بغزارة، هل هذه آلام في الرأس؟ لماذا الأصوات خافتة هكذا؟ والشوارع مبلولة، وأسئلة تتطاير من فمي مثل ريش نتف من حمامة ضربت على رأسها.
***
قبل تلك الليلة وقبل أن أنام داهمني شعور بأن هناك مؤامرة على شكل طائر أسطوري يبحث عني لينقر الجزء الخاص بالتفكير في رأسي محاولا تفتيته قطعة قطعة ليصبح لا شيء. على ما يبدو أنه يبحث عن ذلك الشيء المتواضع في رأسي منذ زمن، لكنني صمدت وحملت نفسي بقوة من على السرير والتصقت بالسقف ماسكا رأسي بقوة خوفا من أن يخترقه الطائر، أي أن وجهي التصق بالإسمنت المصبوغ باللون الأبيض، هكذا دون مبالغة حدث هذا لي ورأيت بياضا عجيبا جعل مشاهد مختلفة من حياتي تمر أمامي، بعدها مللت الالتصاق وأسقطت جسدي بسرعة ناحية السرير، محاولا أن أنام ولكنني فشلت، ومرة أخرى يأتي الطائر الأسطوري محاولا إحداث الثقب في رأسي وتحطيم لؤلؤة التفكير الثمينة بالنسبة لي. هذه المرة لم أعاود الإلتصاق بالسقف ولكنني هربت من الغرفة تاركا زوجتي وإبني نائمين والطائر بمنقاره الحاد يطاردني ويطلق صوتا مزعجا، توجهت إلى سطح البيت وحدقت ناحية سحب كثيفة من الشر حتى ظهرت الشمس واختفى الطائر في ظلام الليل. بعد ذلك سمعت صوت زوجتي تقول:
( يا عمري هيا معي..)
إلتفت ناحيتها وشعرت بشيء من الفرح لسماع صوتها الرقيق ولكنني رأيتها شاحبة وكأنها هي الأخرى لم تنم ليلة البارحة.. عاودت الكلام وقالت:
(هيا.. لنتقدم أكثر تجاه الدخان.. لا.. لا تلمس تلك الصخرة..)

وبما أنه لا توجد صخرة ولا دخان تبين لي بأنها ما زالت نائمة.. ثم تحول كلامها إلى منولوج غامض:
(هيا نواصل السير.. لا عليك من الدخان الذي ينفث روحه في خياشيمنا.. لا عليك من الحفر التي تتسع تحت أقدامنا.. حاذر.. حاذر من تلك الحفر العميقة.. ابتعد عنها. لماذا توقفت؟ هل أنت خائف؟ إن كنت لا تستطيع أن تواصل فسوف أكمل المسيرة وحدي واجلس أنت هنا كي تلعب بهذه المياه الراكدة والتي لن تستطيع أن تواصل العبث بها وسوف تلاحظ أنها لوثت يديك، وربما تمرضك).
كت مبهوتا من كلامها وكأنني كنت معها في مسرحية.. حاولت أن أمسك يدها.. لكنها عاودت الحديث:
(وإذن.. ألن تأتي؟.. هكذا إذن.. يبدو أنك لن تواصل معي.. انت تخاف الدخان والحفر.. أنت خائف.. حسنا.. سوف أتحرك وحدي.. لن أخاف مثلك.. ولكن يجب أن تبقى هنا تنتظرني حتى أعود.. لماذا لا تتكلم؟.. لأنك جميل وطيب وهادىء.. لا تبتسم لي هكذا..إنها ليست مجاملة.. هيا دع عنك الخوف ورافقني في رحلتي).

وبعدها صمتت لفترة قصيرة، لم أستطع الكلام، تذكرت طائر المؤامرة وانتابتني رعشة سببت لي تعبا شديدا، ثم حضر صوتها من جديد ورجعت إلى نشاطي الذهني، وأكملت:
( وهكذا يا عمري.. ظللنا نمشي ونمشي والدخان لم ينجح في تنويمنا.. ولم تنجح تلك الحفر في اصطيادنا.. هل تريد أن تبدي ملاحظة حول ما دار في رحلتنا؟ نعم.. أعرف هذه الإيماءة.. أعرفها جيدا.. حفظتها.. وحفظت هذه الحركة التي تؤديها بيديك.. أعرف أنك استمتعت بالإنصات إلى خرافاتي.. وأنا أثرثر عن أي شيء.. حكايات.. حكايات لا تنتهي.. حكايات تتكرر.. حتى أحلامي أحكيها لك في كل ليلة.. ولكنك لا تستطيع أن تحكي حلمك.. كما أنك لا تستطيع أن تكتبه لي.. يداك ترتعشان كثيرا إذا ما حاولت أن تمسك القلم.. أنت عجيب.. ليتني أعرف قصتك.. ليتني أعرفك.. لماذا تنظر إلي هكذا؟ نعم أنا وحيدة معك.. لا.. لست وحيدة.. أنت طيب وجميل.. لكنك عنيد.. حتى إشاراتك خرساء.. ما الذي فعله بك الزمن حتى غدوت هكذا؟ لا تبتئس يا عمري.. خير لك هذا الصمت المؤبد.. هيا بنا نذهب إلى الشاطىء.. أعرف بأنه صديقك.. فهو الوحيد الذي تبث مشاعرك له.. لماذا هذه الدموع؟ هل أسأت إليك؟ إذن ماذا؟ هل ما زلت تتمنى إمتلاك طاقية الإخفاء؟ أعرف بأن الكثير من يتمنى هذه الأسطورة الجميلة، وكأنك تريدها.. تريد أن تلبسها في رأسك ولو لفترة قصيرة، كي تتمكن من ثقب هذا العالم، ولو قدرت أن أحصل عليها فسوف ألبسها لك.. أنت يوم وأنا يوم.. وهكذا يا حبيبي سوف نتشارك في ثقب هذا العالم ونبصق في وجهه ونعري غموضه وقسوته وربما نغيره).

وعندما ازدادت حرارة الشمس اختفت زوجتي وتلاشى صوتها. نزلت من السطح مهرولا ناحية الغرفة.. فتحت الباب فوجدتها نائمة وهي تحضن إبننا. كان ذلك اليوم عطلة ولا أعرف ما الذي حدث في ليلة البارحة، هلوسات وربما حلم عابر رغم أنني متأكد بأن النوم لم يكن صديقي.

***
هل فعلا أصبحتُ لا شيء؟ هل نجح الطائر الأسطوري في تفتيت عقلي؟
كأنها غيوم سوداء تمر أمامي ببطء شديد.. ببطء شديد.. ببطء لا يوصف.. أمام عيني تمر الغيوم.. هل هي لا شيء.. مؤكد هي لا شيء أيضا.
على ما أذكر أنني في ذلك الوقت تخيلت أن الغد كئيب وحزين، شعور لا أحبه يراودني كثيرا ويغرزني بالألم. كم أكره الألم وأصر على تجاهله وكسره بقدمي، لا أستطيع تذكر كل ذلك اليوم.. لكنه يعود ويتلألأ في عيني بوضوح. قبل السقوط تلقيت فيما أظن مكالمة من صديق يسألني عن حالي وهل هناك مشروع لوحة جديدة أم هو صمت مؤقت، لكنه أدرك كآبتي وعدم رغبتي في مواصلة الحديث معه، فقطع المكالمة بعد أن وعدني بزيارة قصيرة إلى المرسم. وبعدها خرجت لأتناول شيئا من المطبخ ولكن كأن شيئا حاول النقر على رأسي، ثم كأنني إنطفأت.
***
تناقشت مع زوجتي في موضوع مستقبل إبننا (وليد). إختلفنا كثيرا. نقاش. صراخ. ثم تجمدنا في صمت قصير. بعد انتظار خمس سنوات جاءنا وليد، أحضر معه سعادة لا توصف وصار ببراءته يقوي الحب الذي بيني وبين أمه سعاد، انتظرناه طويلا، كنا نخترق الزمن بصعوبة، نكافح أياما طوالا، حتى جاء بروحه الوثابة وابتساماته الرائعة ولوحاته الفنية التي لا تمحى أبدا من خيال أي فنان.. جاء، وأحرق رتابة كادت أن تهزمنا.
ولكن..
لماذا ينتابني الآن شعور بالخواء.. أجدني أغوص في فضاء لا أعرف مصدره. أجد بأن المؤامرة تقترب مني.
***
قبل ذلك اليوم.
قبله بيومين أو يوم، لا أذكر. كنت جالسا في مقهى أمام البحر، أمامي جدار زجاجي يعرض صفا من الطاولات ذات أغطية ملونة.. في كل منها قائمة أسعار وطفاية سجائر، يأتي بعدها سياج نباتي أخضر طويل.. صف من نخيل جوز الهند المتباعدة قليلا عن بعضها البعض.. سجادة من الرمال الناعمة الذهبية تتمرغ عليها سيارة تجر خلفها قاربا بحريا صغيرا.. بحر أزرق شامخ ليس له نهاية.. سفينة بعيدة يبدو أنها لا تعبأ بوحدتها. مشهد جميل لكنه لا يؤخر المؤامرة.

البحر يتلألأ في عينيَّ المتعبتين من السهر، لم أنم ليلة البارحة وما سبقها، كنت أتظاهر بالنوم حتى لا أبث القلق في سعاد، لأني أعرفها جيدا سوف تشاركني كل هواجسي، وربما تتعب أكثر مني. كنت أسمع بكاء وليد، كانت لدي رغبة عارمة في أن أقوم وأحضنه وأساعد أمه في تنويمه، لكنني تمرغت في قلق وحرقة، وبعدها وكعادتي حملت لحافي وارتقيت السطح واستلقيت هناك حتى الصباح بدون نوم.

البحر بدا لي هادئا جدا.. والقهوة المرة أيقظت ذهني قليلا..
صرت أبحث بجنون عن بدائل تساند راتبي المهدد دائما بالاختفاء طالما أنني أمسك هذه الريشة وهذا القلم. فكرت في مشروع تجاري إلا أنني من أولئك البشر الذين لا يهتمون بالربح أو التجارة، إذ أنني لم أفكر في هذا المشروع من قبل ولكنني مضطر للتفكير فيه والسعي في إنجازه. بت أفكر في مستقبل إبني الذي انتظرت قدومه بفارغ الصبر. هكذا.. الآن لا يجب الاعتماد على راتب الحكومة.. إنه مهدد بالانقراض في أي وقت.. لأنني أنتمي إلى تلك الشريحة من الموظفين أصحاب النوايا الحسنة والمبادىء والمثابرة والطموح، ليس مكاننا هنا بين هذه الذئاب التي تعلن الحرب لأجل مصالحها، وأهدافها هي بطونها والصراع حول الكراسي، لعبة الشر الأبدية، الهدف هو الكرسي وما عدا ذلك فليذهـب أي شيء إلى الجحيم، أي قرف هذا؟ فكرت أنه يجب علي أن أستقل.. أنجز أعمالا أخرى أقرب إلى نفسي وإلى إبداعي. صارحت صديقا بأنني أحس منذ زمن أنني بصدد مواجهة تصيد خبيث لتحطيمي، لكنه طمأنني بأن ما يدور في ذهني مجرد أوهام ونصحني بأن أتجنبها ولا أدعها تتغلب علي.
بعد أن رجعت من المقهى رسمت بحرقة.. أخذت كتلة حماس تنبت في ذهني.. ربما كانت مثابرة صادقة وخيرة لأجل البقاء والاستمرار والتفوق.
***
في ذلك اليوم بعد أن حل الصمت بيننا – أنا وسعاد - استيقظ وليد من نومه مفزوعا، بكى كثيرا دون أي سبب. سعاد كعادتها تعاتبني على ذلك النقاش حول مستقبله وصراخنا الذي لا مبرر له. عاتبتها بدوري على عنادها. ولكن وليد هدأ بعد فترة قاسية، جعلني أتألم معه بحرقة. جاءني هاتف من السمسار يقول أنه وجد لنا أرضا مناسبة كي نبني عليها بيتا صغيرا. تواعدنا في عصر الغد كي أعاينها. كثيرا ما نسجت بيتا نادرا يقع على تلة عالية تواجه بحرا وبيوتا وجبالا بعيدة. تذكرت أنه من يومين قد خططنا لقضاء عطلة الصيف في منطقة هادئة. لأن وليدا وهو في عامه الأول يبدو فنانا كأبيه ينظر للمشاهد التي يصادفها نظرة أخرى تختلف عن الجميع، أراه يتأمل كثيرا في الألوان، خصوصا اللون الأزرق الفاتح الذي يجذبه لدرجة أنه لا يسمع نداءاتنا المتكررة له. لذا فقد كان يستحق أن أفتح له حساب توفير في البنك كي أؤمن له مستقبلا باهرا. كان ينظر إلي حينما أقرأ كتابا ويقول لي: ( دعه لي يا أبي.. سوف ألتهم مكتبتك العامرة بالكتب كتابا كتابا.. انتظرني فقط). وحينما يراني أرسم، يجلس متأملا يدي وهي تلون اللوحة البيضاء.. يغوص في أعماقها، وبعد ان أنتهي منها أتخيله ينتقدني كثيرا ويمدني باقتراحاته. جميل وجود هذا الطفل في حياتنا يا سعاد، جميل صوته العذب حينما ينطق كلمة ((بابا أو ماما))، فكرت بجدية أن أعمل معه حوارا صحفيا، نعم سوف أحاوره ليقيني بأنه يمتلك فكرا خصبا وربما يفيدني بآرائه في الفن التشكيلي، من المؤكد أن لديه أفكارا جديدة ورائعة كوجوده.

لا أعرف حقا لماذا هذا الخواء. لماذا هذا الخوف؟

وها أنا أخرج من باب البيت.
في ذلك اليوم شعرت بحزن وكآبه أكثر من السابق. رجعت من العمل وتناولت غدائي بسرعة رغم وجود سعاد ووليد. لم أقدر على النوم. تسألني سعاد عن سبب شرودي وحزني.. ضحكت محاولا التمثيل.. وبالفعل لا شيء هناك سوى سحابة حزن وكآبة.. لكنني أذهب وألعب مع وليد وأنسى كعادتي كل شيء.. سألتني سعاد إن كنت قد أكملت اللوحة.. فأجبتها: (( ليس بعد.. ليت وليدا يكملها)). ضحكت وقامت لتحضنني وهي لم تفعل ذلك منذ زمن طويل.
***
مرة بينما كنت أفتش بين أكوام أوراق وكتب مغبرة وقعت يدي على بعض الصور القديمة التي تجمعني مع أصدقاء حميمين. حينما شاهدتها انفطر قلبي ألما.. تذكرت اللحظات التي صورت فيها.. لحظات مدفونة في بطن التاريخ.. يا لها من صور.. بعضها أتذكر مواقفها والبعض الآخر لا تقدر ذاكرتي على نبشها.. لكنها لا تبعث في نفسي سوى الحزن والتعب.
في تلك الصور، موجود أنا بينهم.. جسد نحيل لم ينبت شاربي بعد.. الأصدقاء من حولي.. بعضهم لم أره أبدا بعد تلك السنة.. منهم من رحل عن البلد.. ومنهم من يرقد في حضن قبر مظلم. لماذا كل هذا الألم الآن؟
***
لاحظنا الإصرار في وليد.. فقد بدأ يحبو..إذا واجه الفشل حاول من جديد. تمنيت أن لا يقع في حفر صعبة كأبيه. ورغم أن رأسي مثقل بجميع تلك الحفر التي سقطت فيها طوال عمري نتيجة تسرع أو نزق أو حمق أو سذاجة.. إلا أنني في نفس الوقت أتذكر صمودي القاسي.. كثيرا ما سبب لي هذا الصمود رغبة في الحصول على ينبوع عذب يغسل كل تلك الحفر، ويزيل جميع الكبوات الحمقاء، سألني ذات مرة أحدهم: ( كيف كانت طفولتك؟ ) أجبته: (لم أكن طفلا ذات يوم) فاعتبر إجابتي استفزازا له وتحديا.. تناول حجرا وشج رأسي به وهرب. لم أعبأ بالدم الذي تدفق بغزارة.. لأنه تدفق قبل ذلك مرتين في نفس المكان.. هكذا على مدار العمر يتدفق كالنافورة ويبلل ملابسي بلزوجته الحارة. بعد أن هرب ذلك الشخص، هربت أنا من دمي.. ولم يكن أول هروب.. ولا أريد أن أحصي أيام هروبي.. أتساءل كيف وقعت في تلك الحفر النتنة؟
***
هل أصبحت لا شيء؟
كأنها غيوم سوداء تمر أمامي ببطء شديد.
صمت يخيم على المكان. هل تلاشت الآلام؟ لا أشعر بشيء مطلقا. تمر أمامي الآن السدرة التي كنت أتسلقها وأنا طفل.. لماذا لم أفكر في رسمها؟ تمر أمامي صورة أمي ثم أبي، صور ملونة تجمع أخوتي وأخواتي، صورة أخرى تجمعني مع سعاد ووليد، وجوه بعض الأصدقاء الحميمين.

كل ما أتذكره في ذلك اليوم أنني كنت أرسم، وأنني كنت أسمع وليدا ينادي ((با باه..با باه))، كل ما أتذكره أن لوحتي لم تكتمل بعد، وأنني استعد للدخول في مغامرة طويلة لم أستطع بعد أن أتنبأ بنتائجها. مغامرة جاءت نتيجة مؤامرات دنيئة من قبل أشخاص ليس لهم علاقة بالبشر.

حفر كثيرة وسقوط كثير، وأجد نفسي أقوم وأمشي من جديد، لكن هذه المرة سقوط مختلف، فرأسي تحول إلى مصباح يضيء ويظلم، يضيء على مشاهد وكأنها خيالية في عالم سينمائي، ويظلم على سواد وكأنه نوم قصير. كأن زوجتي تصرخ، كأن هناك مطرا يهطل بغزارة، هل هذه آلام في الرأس؟ لماذا الأصوات خافتة هكذا؟ والشوارع مبلولة، وأسئلة تتطاير من فمي مثل ريش نتف من حمامة ضربت على رأسها. كأنه مستشفى وأطباء بملابسهم البيضاء تتماوج أجسادهم في مصباح مليء بالدخان. أسئلة تتكرر من فمي والمصباح يضيء وينطفيء.. والذاكرة تحاول أن تحيا وتستنجد بمشاهد الحياة.. هناك أرض زلقة وقدم أسقطها الماء وأسقط معها جسدا ورأسا تحول إلى مصباح هش، وطائر يبدو أنه نقر بقوة على رأسي أحدث فيه فوهة كبيرة سقط منها كل شيء.