الخميس، 11 يونيو 2009

سر الورقة

يحيى سلام المنذري

أمسك الشيك جيدا ثم سرعان ما أدخله في الجيب الثاني للدشداشة بعد أن تأكد أنه ليس الجيب الممزق. الموظف الذي سلمه الشيك لمح سعادة تتطاير من ذلك الوجه الغامض والمغطى بتاريخ حزين. ومن فرحته كاد أن يصدم الباب الزجاجي إذ حسبه ممرا مفتوحا لولا رؤيته لشبح يشبهه داخل متاهات الزجاج ، توقف وأدار برأسه إلى الخلف ليشاهد ردة فعل الموظف ، ولكن لم يجده.

نزل السلالم بسرعة فائقة .. تخيل شخصا يننظره تحت البناية ويقوم بخطف الشيك ويمزقه. وحينما وصل عند باب البناية ذات العشرة طوابق لم يجد ذلك الشخص ، فتنفس الصعداء وعب هواء نقيا ، ثم نظر إلى السماء ورأى فيها ابتسامات وضياء سعادة لم يألفها من قبل .. أخرج الشيك وحدق طويلا في ألوانه الزاهية وحروفه وأرقامه السحرية التي لا يعرف كيف يفسرها .. والتي حتما ستتحول إلى أوراق نقدية. مشى طويلا حتى ابتعد عن تلك البناية ، أخذ يفكـر .. ماذا يفعل الآن ذلك الموظف وأين اختفى ، هل ما زال داخل البناية ويزود بعض الناس بأوراق صغيرة ستتحول لاحقا إلى نقود؟ مشى بعيدا .. مفتونا بالشيك .. قرر أن يركب تاكسي ليوصله بسرعة إلى البنك.

- " خذني إلى أقرب بنك ".
- " أقرب بنك ؟ تريد إنجيز*
يعني ".
- " ما مشكلة انجيز .. لكن بسرعة ".
- " إذا كان انجيز .. ما أوصلك إلى بنك واحد بس ..أوصلك إلى ألف بنك ".

***

بعد مسافة نصف ساعة أوصله التاكسي إلى ساحة بنايات عالية يخترقها شارع طويل مزدحم بالسيارات. تعجب ونهر سائق التاكسي بسذاجة :

- " يا خي يكفي بنك واحد .. أنا بس أريد أصرف شيك ".
- " يا رجل .. ادخل أي بنك من هذه البنوك واصرف الشيك ".
- " انزين .. كم الحساب؟ ".
- " ريالين ".

بعد ذهول قصير نتيجة وقع المبلغ على أذنيه نقد السائق بتثاقل .. لإيمانه الشديد بقيمة الريالين .. لكنه سوف يستلم نقودا تكفيه لأشهر ، وسوف يشتري دفاتر وأقلام وأسرّة لأولاده ، وسوف لا يصلح السقف والباب والسور فقط .. بل سوف يقوم بتصليح جميع أبواب غرف البيت والحمام .. ويشتري أيضا برميلا جديدا للماء مصنوع من البلاستيك كي يكون بديلا لذلك القديم الذي أكله الصدأ .. لم يكمل إذ دخل أقرب بنك قادته إليه قدماه. سلّم الشيك للرجل الجالس خلف جدار زجاجي بها فتحة دائرية. نظر الرجل فيه باستغراب وقال له :

- " هذا الشيك لازم يصرف من بنك الخوير".

اندهش وزادت دقات قلبه .. أول مرة يمسك فيها شيك .. كيف له أن يعرف أسماء البنوك. أخذ الشيك .. وقبل أن يهم بالرحيل قال له الرجل : (لازم تسرع .. البنوك سوف تغلق بعد نصف ساعة). وعندما هم بالخروج اصطدم برجل ضخم جعله يلتف حول نفسه حتى سقط. ساعده الرجل الضخم على النهوض بعد أن بلع ضحكة في كرشه المتكور ، تدارك الأمر رغم صداع تسلل فجأة إلى رأسه .. وصادف صعوبة في فتح الباب الضخم ، إلا أن ذلك الرجل اتجه ناحيته وساعده في فتح الباب بعد أن أطلق ضحكته المكبوتة لتلفت انتباه جميع من كانوا في البنك.

***

قال سائق التاكسي :(ريالين). حرارة الشمس تلسع رقبته وتزيد من كمية صداعه ، أمسك الشيك جيدا واتجه ناحية البنك ، صعقته المفاجأة حينما وجده يقع في أسفل البناية التي استلم منها الشيك ، ضرب جبينه كعادته حينما يغضب من نفسه ، أرجع يده مبلولة بالعرق ، ثم أمسك باب البنك الذي كان مغلقا ، انكمش سريعا وأغمض عينيه ، وغاص في دوامة حالكة الظلام .. ثم نهض وقال :(باكر.. من الصبح). فشل في أن يجد باص نقل ، التعب تسلل إلى عظامه ، تحول الشيك إلى طائر ينقر عقله ، ثم تحول إلى بالون ينفجر ويمطره بالنقود.

***

في الصباح تناولت يده ريالين من جيبه ، ابتلعها سائق التاكسي ومضى ، هذه المرة مشى بخطوات وئيدة تجاه باب البنك ، وبمجرد أن فتحه انبعث منه هواء باردا ، اتجه ناحية نافذة زجاجية خلفها فتاة جميلة ، ناولها الشيك ، ثم لسعه صوتها حينما قالت :(أعطني البطاقة الشخصية). ارتجف من فكرة نسيان البطاقة في البيت ، لكنه استدرك سعادته حينما فتش عنها ووجدها مهترئة بين أوراق أخرى في جيبه ، ناولها إياها، ثم طلبت منه أن يوقع على ظهر الشيك. إحمرّ وجهه ووجد نفسه يقول لها :(لا أعرف .. أنا ما متعلم ..). ندت عنها ابتسامة خجل .. وناولته على الفور صندوق صغير به حبر أزرق ، عرفه بسرعة.

استقبل ابتسامة الفتاة بارتياح حينما ناولته ورقة نقدية بقيمة عشرة ريالات ، انتظر معاودة الفتاة في أن تنـاوله باقي الأوراق النقدية ، لكنها توقفت ، جف حلقـه ثم سألـها : (وين الباقي ؟). تحول وجهها إلى كتلة اندهاش وقالت له : (يا والدي .. ليس هناك باقي .. هذا كل المبلغ المكتـوب .. عشرة ريالات). تبادلت الفتاة الحيرة مع زميل لها وقالت له بصوت خافت: (تبا لهذا التاجر البخيل). تردد في تصديقها ، وعمل جاهدا على حبس دموعه في حدقتا عينيه.

* إشغال سيارة الأجرة لحساب الزبون.

هناك تعليقان (2):

  1. قصة رائعة حقاً ... دمتَ ألقاً دوماً أستاذ يحيى

    ردحذف